للسيد رشيد رضا
عصمة الأنبياء والخلاص
[ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًًا وَلاَ نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ]( النساء : 123-124 ) .
نحن طلاب مودة والتئام، وأن المناقشات في الأديان والمذاهب قليلة الجدوى ، وربما أضرت ولم تنفع ؛ لأن أكثر الناس مقلدون ، وما أضيع البرهان عند المقلد ! ! وقلنا : إن هؤلاء المبشرين الإنجيليين اضطرونا إلى الرد على تمويههم بما يرسلون إلينا من الكتب والجرائد التي تطعن في عقائد المسلمين ، ويلحون علينا بأن نرد عليها ، وقد انضم إلى إلحاحهم طلب كثيرين من المسلمين يقولون ليس في القطر مجلة إسلامية أنشئت لخدمة الدين مع العلم إلا المنار ، فيجب عليها رد الشبهات التي توجه إلى الإسلام ، فبهذا وذاك صار من الواجب علينا بحكم ديننا الرد على هذه الكتب والجرائد ونأثم شرعًا بتركه .
( كلما داويت جرحًا سال جرح ) كنا نردُّ على آخر كتاب لهم جمع خلاصة شبهاتهم ، وإذا نحن بجريدة ( بشائر السلام ) ترد إلينا من غير طلب ولا سبق مبادلة ، ثم في هذه الأيام أرسلت إلينا جريدة ( راية صهيون ) الإنجيلية مكتوبًا عليها : ( أرجو الاطلاع على مقالة خطية الأنبياء والرد عليها ) .
تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد ولكن القليل من آيات الحق يكفي لإزهاق الكثير من الباطل ، لذلك نقول : ابتداء هذه المقالة ( إن المسلمين يقولون : إن الله أرسل أنبياء كثيرين إلى العالم وأعظمهم ستة ، وهم آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى - أي المسيح - ومحمد ، وكثيرون يقولون بأن كل هؤلاء الأنبياء كانوا بلا خطية ، ولذلك كانوا قادرين على إيهاب الخلاص لتلاميذهم ؛ ولكن لو كانوا خطاة فما كانوا يتيسر لهم ذلك ، إذ لا يمكن للخطاة أن يخلصوا الآخرين من الخطية ) هذا ما قاله بحروفه ، ثم تعقبه بدعوى أن من عدا المسيح من هؤلاء الأنبياء كانوا عصاةً مذنبين مستدلاًّ بما جاء في قصصهم في كتب العهد العتيق .
فأما معصية آدم فمعروفة، وأما نوح فذكر أنه شرب الخمر ، واعترف الكاتب بأن التوراة لم تذكر له خطيئة غير هذه ؛ ولكنه جزم بأنه لابد أن يكون خاطئًا ، وأما إبراهيم ( فقد ورد عنه أنه كذب مرتين من باب الخوف من الناس ) وأما موسى فذكر الكاتب من خطيئته أنه ( حينما أمره الله أن يذهب إلى فرعون قد أظهر خوفًا عظيمًا وجبنًا زائدًا جعل الله أن يغضب عليه ، وحينما كان بنو إسرائيل في البرية بعد خروجهم من أرض مصر قد فرط موسى مرة بشفتيه حتى أن الله لم يسمح له نظرًا لهذا الذنب أن يدخل أرض كنعان ، بل جعله أن يموت في القفر ) واستدل على خطيئاتهم من القرآن العزيز بما ورد من الآيات في طلبهم المغفرة إلا المسيح فإنه لم يرد عنه ذلك ، وختم المقالة بعد كلام طويل في الثناء على السيد المسيح عليه الصلاة والسلام بدعوة المسلمين إلى الإيمان به - وهم المؤمنون حقًّا - والاتكال عليه في خلاصهم - وهم لا يتوكلون إلا على الله وحده - ويعني بالإيمان به أن يكون موافقًا لمذهب بروتستنت فإنه كتب نبذة في الصفحة الأولى من هذا العدد بأن سائر الطوائف ( مسيحيون بالظاهر ، وأما في الحقيقة فليسوا كذلك ) وأن الله سيلقيهم في النار التي لا تطفأ ، أما الرد على المقالة فمن وجوه : ( الأول ) أن أفضل الأنبياء عند المسلمين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ، ويسمونهم أولي العزم ، وليس آدم منهم لقوله تعالى [ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ]( طه : 115 ) ومن العلماء من منع التفاضل بين الرسل ، وقال : إن ذلك لا يُعرف إلا بالوحي .
( الثاني ) أن المسلمين لا يعتقدون أن الأنبياء هم الذين ينجون الناس بسبب عصمتهم من العذاب ، ويدخلونهم بجاههم في رحمته ؛ وإنما يعتمدون على الله تعالى وحده في ذلك ، ويعتقدون أن سبب النجاة الإيمان الصحيح والعمل الصالح ، وأن الأنبياء ما أرسلوا إلا مبشرين ومنذرين ، فهم يُعَلِّمون الناس الإيمان الصحيح المقبول عند الله تعالى والعمل الصالح الذي يرضيه ، فمن آمن وعمل صالحًا ترجى له النجاة بفضل الله تعالى الذي وفقه وهداه ، ومن كفر بعد بلوغ الدعوة بشرطها فلا يزيد الظالمين كفرهم إلا خسارًا .
( الثالث ) أن هؤلاء المعترضين لم يعرفوا معنى عصمة الأنبياء عند المسلمين ، فتوهموا أنهم يقولون بذلك لإثبات أن الأنبياء ينجون الناس ؛ لأنهم معصومون ، فنجيبهم بأن المسلمين قام عندهم الدليل العقلي على ذلك ، وهو أن الله تعالى جعل الأنبياء هداة ومرشدين ليُقتدى بهم ، فلو ابتلاهم بالمعاصي التي هي مخالفة الشريعة التي يأتون بها لما كانوا أهلاً للهداية ؛ لأن الله أودع في فطرة البشر أن يقتدوا بالأفعال أكثر من الأقوال ، وقد أخبرونا أن الله تعالى أمر بالاقتداء بهم ، فلو كانوا يرتكبون مخالفة أمره لكان في أمره بالاقتداء بهم تناقض وأمر بالشر وهو محال ، وليس معنى عصمتهم أنهم مخالفون للبشر في جميع أطوارهم فلا يخافون مما يخيف في الدنيا ، ولا يتألمون مما يؤلم ولا يتوقون الشر ( سنوضح هذا المقام في الأمالي الدينية بعد ) .
( الرابع ) أنه لم يُنقل عن سيدنا نوح في العهد العتيق إلا شرب الخمر ، وفي هذه الأناجيل أن المسيح شرب الخمر أيضًا ، فإن قلنا بأن من لم يُنقل عنه أنه عصى يصلح أن يكون مخلِّصًا للناس ، فنوح يصلح لذلك كالمسيح ، بل إن من صالحي هذه الأمة المحمدية كثيرين لم تحفظ عليهم المعصية .
( الخامس ) ما نقله عن سيدنا إبراهيم مصرح بأنه كان للضرورة وإرادة التخلص من شر وظلم أكبر من كذبة في الظاهر لها تأويل في نفس القائل كقول إبراهيم عن زوجته : ( هذه أختي ) يعني في الدين ، ومن القواعد المعقولة والمشروعة أنه إذا تعارض ضرران يجب ارتكاب أخفهما ، فإذا حاول ظالم أن يغتصب امرأتك ليسترقها أو يفجر بها وقدرت أن تنجيها منه بكلمة كاذبة - وجب عليك ذلك ، وتكون الكذبة معصية في الصورة طاعة في الحقيقة .
( السادس ) أن ما ذكره عن سيدنا موسى من الخوف ليس فيه معصية لله ومخالفة لشريعته ؛ وإنما هو شأن من الشؤون البشرية الجائزة وهو خوف هيبة وإجلال للوظيفة العظيمة التي كُلِّف بها .
( السابع ) إذا لم يصح الدليل العقلي على عصمة الأنبياء ، فعدم نقل المعصية عن المسيح لا ينافي وقوعها منه ؛ لأنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم وجوده في نفسه .
( الثامن ) أن طلب الأنبياء المغفرة من الله تعالى لا يدل على أنهم كانوا بعد النبوة عصاة مخالفين لدين الله تعالى ؛ ولكنهم لمعرفتهم العالية بالله تعالى ، وما يجب له من الشكر والتعظيم يعدون ترك الأفضل إذا وقع منهم في بعض الأوقات ذنبًا وتقصيرًا ، ألم تر أن للمقربين من الملوك والسلاطين ذنوبًا غير مخالفة القوانين يطلبون من الملوك العفو عنها ( ولله المثل الأعلى ) وسيأتى إيضاح ذلك في الأمالي الدينية .
( التاسع ) إذا فرضنا أن دليل المسلمين على عصمة الأنبياء غير صحيح ، فلا حجة للمسيحيين عليهم في شيء ؛ وإنما ذلك شبهة على الدين المطلق .
________________________
المنار : 4/21/ص816
]]>للسيد رشيد رضا
جعل مؤلف كتاب( أبحاث المجتهدين )الفصل الثاني من البحث الأول في إثبات صحة التوراة والإنجيل عقليًّا ، وتقرير هذا الدليل أن الله قادر حكيم فلا بد أن يضع دستورًا ويكتب شريعة لمخلوقاته العاقلة ، كي تعلم نسبتها إلى خالقها وواجباتها نحوه ، وواجبات بعضها نحو بعض ، وتعرف مصير العالمين وقصاص العصاة وثواب الطائعين المؤمنين لئلا يكونوا فوضى لا وازع لهم ولا مشترع كالأنعام يدوس بعضهم بعضًا ، وكالأسماك يأكل صغيرَها كبيرُها ، ويفني الناس بعضهم بعضًا وتستوي الفضيلة والرذيلة ، وهذا ما لا يرضى به القادر الحكيم ، ثم قال : ( فإذا لم يكن ذلك الدستور وتلك الشريعة هما التوراة والإنجيل، فقل لي بعيشك ما هما، هل يوجد كتاب قديم مقدس يفي بالغرض المقصود كالتوراة والانجيل ؟ كلا لعمري ) .
( المنار ) إننا لا نؤاخذ المؤلف على تقصيره في تقرير وجه الحاجة إلى الشريعة ، إذ يعرف القراء هذا التقصير بمقابلته بما كتبناه وما سنكتبه في بيان الحاجة إلى الوحي من دروس الأمالي الدينية ؛ ولكننا نذكِّره بأمور إذا تأملها ظهر له أن حجته داحضة .
( 1و2 ) لماذا ترك الله البشر قبل التوراة ألوفًا من السنين لا نعلم عددها من غير شريعة إذا كان ذلك لا يرضيه ؟ ولماذا لم تظهر حكمته هذه إلا في بني إسرائيل من عهد قريب ، وكل الناس عبيده والعلة تقتضي العموم ؟ هذان السؤالان يردان عليه ، وعلى جميع اليهود والنصارى القائلين بقوله ولا يردان على المسلمين ؛ لأن القرآن حل هذا الإشكال بقوله تعالى في الرسل : [ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ]( غافر : 78 ) فنحن نعتقد أن الله أرسل رسلاً في جميع الأمم التي استعدت بترقيها إلى فهم توحيده لا يعلم عددهم غيره تعالى .
( 3 ) هل كان أهل الصين كالأنعام يدوس بعضهم بعضًا ، أو كالسمك يأكل كبيرهم صغيرهم بلا وازع ولا رادع ، أم كانوا أولي مدنية وفضائل قبل وجود بني إسرائيل وبعدهم ؟ والتاريخ يدلنا على أنهم كانوا أرقى من بني إسرائيل في العلوم والمعارف والمدنية والنظام الذي تُحتاج الشريعة لأجلها ، وكانوا أرقى من النصارى أيام لم يكن عند هؤلاء إلا الديانة التي بثها فيهم مقدسهم بولس ، فما زادتهم إلا عداوة وبغضًا واختلافًا وتنازعًا وحربًا واغتيالاً في تلك العصور التي يسمونها المظلمة ، وكان الصينيون في هدوء وسلام ووفاق ووئام ، ما قيل في الصينيين يقال نحوه في الهنود ، ولا يرد مثل هذا الإشكال على المسلمين ؛ لأنهم بمقتضى هدى القرآن يجوزون أن يكون الله تعالى بعث في الصين والهند أنبياء أرشدوهم إلى ما كانوا فيه من السعادة ، ثم طال عليهم الأمد ، فمزجوا ديانتهم بالنزغات الوثنية الموروثة حتى حوَّلوها عن وجهها تحويلاً ، كما نعتقد مثل ذلك في النصارى إذ لا شك أن ديانتهم في الأصل سماوية توحيدية ، ثم حوَّلوها إلى عبادة البشر من المسيح وأمه وغيرهما .
( 4 ) إن الأوروبيين قد استغنوا بالقوانين الوضعية عن شريعة التوراة ، وبالآداب الفلسفية عن آدابها وآداب الإنجيل فطرحوا الزهادة ، ونفضوا عن رؤوسهم غبار الذل ، وقد نجحوا بهذا وارتقوا عما كانوا عليه أيام كانوا متمسكين بهذا الكتاب الذي يسمى ( المقدَّس ) فكيف تقول إنه لا يوجد غيره لهداية البشرية وتهذيب أخلاقهم ، وهذا الواقع على خلافه ، وهذا الإشكال لا يرد أيضًا على المسلمين ؛ لأنهم يعتقدون أن اليهود والنصارى نسوا حظًّا مما ذُكِّروا به في الوحي وطرأ على الباقي التحريف والنسخ ، فلم يعد صالحًا لهداية البشر ، ويعتقدون أن الأوربيين أقرب الناس إلى دين الإسلام في أخلاقهم الحسنة كعزة النفس ، وعلو الهمة والجد في العمل والصدق والأمانة والاهتداء بسنن الكون والاسترشاد بنواميس الفطرة ، والأخذ بالدليل وغير ذلك ، وأنهم كما اهتدوا إلى هذا بالبحث والتوسع في العلم سيهتدون كذلك إلى سائر ما جاء به الإسلام من العقائد والأخلاق والفضائل والأعمال .
( 5 ) إن المسلمين قد ظهر فيهم كل ما ذكره في وجه الحاجة إلى الشريعة على أكمل وجه لم يعرف مثله في الكمال عند اليهود والنصارى ، فعرفوا ما يجب لله تعالى ، وما يجب من حقوق العباد وصلح بالدين حالهم ، واجتمعت كلمتهم وتهذبت أخلاقهم ، وسمت مدنيتهم في كل عصر بقدر تمسكهم به ، والتاريخ شاهد عدل .
( 6 ) إذا كانت التوراة قد بيَّنت كل ما ذكره من حاجة البشر إلى الشريعة فلماذا وُجد الإنجيل ؟ وإذا كانت ناقصة فلماذا جعلها الله ناقصة لا تفي بالحاجة ، وكيف يتم له الدليل بناء على هذا القول على إثبات التوراة والإنجيل بالعقل ؟ وهذا الإشكال لا يرد على المسلمين المعتقدين بصحة أصل التوراة والإنجيل ؛ لأنهم يقولون : إن كلاًّ منهما كان نافعًا في وقته ، ثم عدت عواد اجتماعية ذهبت بالنفع والفائدة ، فساءت حال القوم المنتمين إلى الكتابين ، فجدَّد الله الشريعة بالإسلام على وجه فيه الإصلاح العام ، فانقشع بنوره كل ظلام ، وحفظ الله كتابه من التحريف والتبديل ليرجع إليه الذين يضلون السبيل .
( 7 ) إذا كانت التوراة مشتملة على ما ذكره - كما تقدم - فلماذا تركها المسيحيون فعطلوا شرائعها ، وضيَّعوا حدودها كما بيناه في بعض نبذ الرد السابقة .
( 8 ) إذا كانت كتب العهد العتيق والعهد الجديد إلهية حقيقية ، فلماذا وُجد فيها الاختلاف والتناقض والتهاتر ومصادمة العقل الذي لا يُفهم الدين ولا يُعرف إلا به، وقد تكلمنا على مصادمتها للعقل قليلاً في بعض النبذ الماضية، وسنبين بعد كل ما ادعيناه هنا تبيينًا .
( 9 ) إذا كانت هذه الكتب إلهية وافية بما ذكره المصنِّف من حاجة الناس للشرائع، فلماذا وُجد فيها ما يُخل بذلك أصوله وفروعه ، كتشبيه الله بخلقه ونسبة الفواحش إلى الأنبياء الذين هم أحق الناس وأولاهم بالاهتداء بالدين الذي تلقوه عنه سبحانه وتعالى، وغير ذلك مما ينافي الآداب الصحيحة كما ألمعنا من قبل، وسنزيد ذلك بيانًا، ونكتفي الآن بإشارات من لامية البوصيري رحمه الله تعالى ، قال في شأن العهد العتيق وأهله :
وكفاهم أن مثَّلوا معبودهم سبحانه بعباده تمثيلا
وبأنهم دخلوا له في قبة إذ أزمعوا نحو الشام رحيلا
وبأن (إسرائيل) صارع ربه فرمى به شكرًا لإسرائيلا
وبأنهم سمعوا كلام إلههم وسبيلهم أن يسمعوا منقولا
وبأنهم ضربوا ليسمع ربهم في الحرب بوقات لهم وطبولا
وبأنه من أجل آدم وابنه ضرب اليدين ندامة وذهولا
وبأن رب العالمين بدا له في خلق آدم يا له تجهيلا
وبدا له في قوم نوح وانثنى أسِفًا يعضُّ بنانه مذهولا[1]
وبأن إبراهيم حاول أكله خبزًا ورام لرجله تغسيلا[2]
وبأن أموال الطوائف حُللت لهموا ربًا وخيانة وغلولا
وبأنهم لم يخرجوا من أرضهم فكأنما حسبوا الخروج دخولا
لم ينتهوا عن قذف داود ولا لوط فكيف بقذفهم روبيلا[3]
وعزوا إلى يعقوب من أولاده ذكرًا من الفعل القبيح مهولا
وإلى المسيح وأمه وكفى بها صدِّيقة حلت به وبتولا
وأبيك ما أعطى يهوذا خاتمًا لزنى بمحصنة ولا منديلا[4]
لوَّوا بغير الحق ألسنة بما قالوه في (ليَّا) وفي راحيلا [5]
ودعوا سليمان النبي بكافر واستهونوا إفكًا عليه مقولا[6]
وجنوا على هارون بالعجل الذي نسبوا له تصويره تضليلا[7]
إلى أن قال :
الله أكبر إن دين محمد وكتابه أقوى وأقوم قيلا
طلعت به شمس الهداية للورى وأبى لها وصف الكمال أُفُولا
والحق أبلج في شريعته التي جمعت فروعًا للهدى وأصولا
لا تذكروا الكتب السوالف عنده طلع الصباح فأطفئ القنديلا
درست معالمها ألا فاستخبروا عنها رسومًا قد عفت وطلولا
________________________
(1) بدا له ، في البيت وما قبله ، أي : ظهر له فيه رأي جديد ، وفي سفر التكوين (6 : 6) أن الرب حزن وتأسف ؛ لأنه خلق آدم ، ويلزمه البداء والجهل ، وكذلك في نوح وقومه .
(2) راجع (18 تك) .
(3) يريد رمي داود بالزنا بامرأة أوريا (11 صموئيل 2) ولوط ببناته راجع (19تك) وأما روبيل فيسمونه رؤبين راجع قصة قذفه في (35 تك) .
(4) في (38 تك) أن يهوذا زنى بكنته ظنًّا أنها بغي ، ووعدها بجدي وأعطاها خاتمه وعصابته وعصاه رهنًا على ذلك ، وجاءت منه بتوأم .
(5) القصة في (29 و30 تك) .
(6) في (11 الملوك الأول) أن النساء أملن سليمان لعبادة الأوثان (برأه الله) .
(7) راجع (32 خروج) .
ــــــــــــــــــــ
المنار 4/17/ص654
]]>هل شهد القرآن بصحة العهدين بوضعهما الحالي
للسيد رشيد رضا
ذكرنا في المقال السابق أن صاحب كتاب( أبحاث المجتهدين )أورد سبع آيات من القرآن العزيز وحرَّفها عن مواضعها لإثبات كتب اليهود والنصارى ، وإلزام المسلمين باعتقادها والأخذ بها ، وبيَّنّا فيها تحريفه وكون الآيات حجة للمسلمين على اليهود والنصارى لا العكس بالكلام على ثبوت آيات منها ، وفي هذه النبذة نتكلم على باقيها .
قال : ( والرابعة تحكم بضلال المسلم الذي لا يؤمن بالتوراة والإنجيل إيمانه بالقرآن ) ونقول : إن الآية الرابعة هي قوله تعالى : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ]( النساء : 136 ) والمسلمون يعتقدون أن نبيهم جاء بالحق وصدَّق المرسلين ، وأمرنا بأن نؤمن برسل الله وكتبه السابقة ؛ ولكن لم يكلفنا بالعمل بتلك الكتب لأنه أغنانا عنها بكتاب أهدى منها لا نحار في روايته ، ولا نضل في درايته ، مشتمل على جميع ما فيها من صحيح الاعتقاد ، معصوم من التحريف والتبديل ، محفوظ من الضياع والنسيان ، حاوٍ لما لا يوجد فيها من المعارف الإلهية كما سنبينه بعد إن شاء الله تعالى ، خالٍ من الإضافات التاريخية والآراء البشرية التي ألحقت بما بقي من الكتب السماوية .
على أن هذه الآية قد اختلف المفسرون في المخاطبين بها ، فقيل هم المنافقون المؤمنون في الظاهر ، المرتابون أو الجاحدون في الباطن ، كأنه يقول لهم أيها المدَّعون الإيمان بالله وكتابه ورسوله وسائر كتبه ورسله بأفواههم وظواهرهم ، عليكم أن تؤمنوا بقلوبكم وتطابقوا بين ظواهركم وبواطنكم ، وقيل : هم مؤمنو أهل الكتاب لما روي من أن ابن سلام وأصحابه قالوا : يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة و عزير ونكفر بما سواه فنزلت الآية ، وقيل : هم المسلمون مطلقًا ولا يَعْتَدُّ المسلمون بإيمان مسلم إذا أنكر الإيمان بالأنبياء السابقين أو كذَّب كتبهم ؛ ولكنهم لا يكلفونه بالبحث عنها والعمل بها ؛ لأن الله تعالى أغنانا كما قلنا ولأنه قد ضاع بعضها ونسي كما قال تعالى : [ فَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ]( المائدة : 14 ) وحرّف بعضها كما قال سبحانه : [ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ]( المائدة : 41 ) وكيف نأخذ بكتاب نسي حظ عظيم منه ، ربما كان مبينًا ومفسرًا للباقي ، أو فيه ما ليس فيه مما لا بد منه فيكون أخذنا به على غير وجهه ، أو يكون ديننا ناقصًا ويصدق علينا قوله تعالى في أهل الكتاب : [ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ]( البقرة : 85 ) الآية ؟ ونكتفي هنا بالاستدلال على نسيان أهل الكتاب حظًّا منه بالقرآن الكريم ؛ لأن كلامنا مع الخصم في دلالة القرآن على صدق الكتب ، وسنثبته بعد بشهادة تلك الكتب وأقوال رؤساء الديانة النصرانية .
قال : ( والخامسة تبيّن أن أهل مكة كانوا يعرفون التوراة والإنجيل كما كانوا يعرفون القرآن ) ونقول إن هذه الآية هي قوله تعالى : [ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا القُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ]( سبأ : 31 ) ولا دلالة فيها على ما ذكر حتى على تقدير أن المراد بالذي بين يديه الكتب المتقدمة ؛ لأن سبب رفضهم الإيمان هو دعوة القرآن ومن جاء به إلى ذلك الإيمان ، أي أنهم قالوا : إننا لا نؤمن بالكتاب الذي جئت به يا محمد وقلت إنه من عند الله ، ولا نؤمن بالكتب التي قلت إنها جاءت قبلك من عند الله ، فأين الدليل في هذا على أن أهل مكة كانوا يعرفون التوراة والإنجيل بذاتهما ويتدارسونهما وهم أميون لا يوجد فيهم ، بل ولا في العرب كافة من يكتب إلا أفراد لا يبلغون طرف جمع القلة - قيل إنهم كانوا ستة نفر - والوجه الثاني في تفسير قوله تعالى : [ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ]( سبأ : 31 ) أنه يوم القيامة وما يتلوه من الثواب والعقاب وهو الأظهر .
قال : ( والسادسة تبين إقرار محمد بصحة الكتاب ومساواته إياه بالقرآن ) ونقول إنه أورد الآية السادسة هكذا : ( قل فأتوا بكتاب هو أهدى منهما - القرآن والإنجيل - أتبعه ) فانظروا أيها المنصفون إلى أمانة هؤلاء الناس في النقل ، وإلى تحريفهم في المعنى وهم يخاطبون المسلمين ويعرفون حرصهم على القرآن العظيم وقد أنزل الله تعالى الآية هكذا : [ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ]( القصص : 49 ) أي أهدى من القرآن والتوراة لا الإنجيل كما زعم مصنف كتاب الأبحاث ، والدليل على ذلك قوله تعالى قبل هذه الآية : [ وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ]( القصص : 47-48 ) ( وفي قراءة ساحران ) وحكمة إسناد الكفر بموسى إليهم بيان طبائع الأمم وتشابه أطوار البشر حتى كأن الحاضر عين الماضي ، ولذلك قال الحكماء : التاريخ يعيد نفسه ، والآيات حجة على المكابرين وبرهان قاطع لألسنة المعاندين ، وليس فيها ما يدل على المساواة بين القرآن والتوراة في كل شيء فإن تعجيز المشركين بالإتيان بكتاب من عند الله أهدى مما جاء به موسى ومما جاء به محمد لا يقتضي أن ما جاء به أحدهما مساوٍ لما جاء به الآخر ، أرأيت لو قيل لجاهل بعلم المنطق ينكر على علمائه وكتبه : ألف لي كتابًا فيه يكون خيرًا من كتاب إيساغوجي وكتاب ( البصائر النصيرية ) أتقول : إن هذا القول يدل على أن الكتابين متساويين من كل وجه ؟ قال : ( والسابعة تبيّن الإقرار الصريح على أن التوراة صحيحة سالمة فيها حكم الله ، وأن متبعها ليس في حاجة إلى أن يُحكِّم أحدًا سواها ) ، ونقول : إن الآية السابعة هي قوله تعالى : [ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ]( المائدة : 43 ) هذا ما أورده المصنف منها وتتمتها [ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ]( المائدة : 43 ) وهي لا تدل على ما قاله لما نبينه هنا تبيينًا .
الآية واردة في التعجيب من حال اليهود الذين يحكِّمون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض أمرهم ، وهم غير مؤمنين به كالذين طلبوا حكمه فيمن زنى من أشرافهم ، وقالوا : إن حكم بالجلد أخذنا بحكمه ، وإن حكم بالرجم فلا نأخذ به .
مع أن حكم الزاني منصوص عندهم في التوراة ؛ ولكنهم يريدون اتباع الأسهل والأخف ووجه التعجيب أن هؤلاء القوم ليس لهم ثقة بدينهم ولا إذعان لكتابهم ، فهم يحكِّمون صاحب شريعة غير شريعتهم ، وشريعتهم التي يقولون إنها من عند الله وفيها حكمه بين أيديهم ، ومن العجيب أنهم لا يقبلون حكمه إذا هو وافق ما عندهم ، وهذا نهاية البعد عن الإيمان الصحيح الخالص بكتابهم ، ولذلك قال تعالى بعد استفهام التعجب من تحكيمهم [ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ]( المائدة : 43 ) أي ليس إيمانهم بكتابهم صحيحًا لأنهم أعرضوا عنه أولاً فتحاكموا إليك يا محمد ، ثم أعرضوا عن حكمك الموافق له ثانيًا ، أو النفي لصفة الإيمان عنهم بالإطلاق ، فيدخل فيها ما ذكر ويدخل فيها الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، أي أنهم فسدت نفوسهم وبطلت ثقتهم بالدين مطلقًا حتى لا يرجى منهم أبدًا .
وظاهر أن القول بوجود حكم لله أو أحكام متعددة في كتاب الله لا يقتضي أن يكون ذلك الكتاب كله صحيحًا سالمًا من التحريف ، مشتملاً على جميع ما أنزله الله تعالى ، فإنني أقول إن كتاب السيرة الحلبية مثلاً فيه حكم الله ، ولا أعتقد أن كل ما فيه من الله تعالى ، وأنه سالم من التحريف ولا حاجة لغيره ، بل أعتقد مع هذا أن فيه أقوالاً اجتهادية وآراء للمؤلف ونقولاً لا تصح ، وإننا في حاجة إلى غيره .
________________________
المنار 4/15/574
]]>هل شهد القرآن بصحة العهدين بوضعهما الحالي
للسيد رشيد رضا
لو أراد الإنسان أن يناقش هؤلاء المسيحيين الذين يؤلفون الكتب في دعوة المسلمين إلى النصرانية، ويحكم العلم في مصنفاتهم ، فيرد على كل خطأ يجب رده لاحتاج أن يكتب على كل صحيفة من صحائفهم السوداء كتابًا مستقلاًّ ؛ لأنهم يرمون الكلام على عَوَاهنه فيخطئون من حيث يدرون ومن حيث لا يدرون ، ويتعمدون الإيهام والتغرير لأنهم يكتبون للعامة الذين لا يدققون .
يقول صاحب كتاب ( أبحاث ) الجدليين لا ( المجتهدين ) في الفصل الأول من البحث الأول إنه يثبت صحة التوراة والإنجيل ( بالحجة الدامغة والبرهان المنطقي ) ثم يورد الآيات القرآنية وهي عنده جدلية لا منطقية ويحرفها عن معناها كما حرَّف هو وسلفه التوراة والإنجيل ، وقد بيَّنا من قبل معنى التوراة والإنجيل وإثبات القرآن لهما ، وكون هذا الإثبات لا ينافي إرسال نبي آخر بشريعة جديدة أكمل منها ، وبيَّنا أيضًا وجه كون الديانة الإسلامية أصلح لحال البشر وأهدى لسعادتهم ، بل وبيَّنا كيف أبطل بولس شريعة التوراة والإنجيل وجعل المسيحية إباحية لا قيمة فيها للعمل الصالح ؛ وإنما العمدة فيها على الإيمان بأن المسيح جاء ليخلص العالم .
فكيف جاز عند محبينا من دعاة المسيحيين أن يبطل هذا الرجل اليهودي بذلاقة لسانه وخلابته شريعة موسى و عيسى عليهما الصلاة والسلام ، ولا يجوز في نظرهم أن يرسل الله محمدًا عليه أفضل الصلاة والسلام بالبراهين العقلية فيصدق المرسلين ، ويقضي على المارقين ، ويؤنب المحرِّفين ، ويبين الحق في اختلاف المختلفين ، ويخاطب اليهود والمسيحيين ، بمثل ما خاطب عيسى الكتبة والفريسيين بأنهم لم يقيموا الكتاب ، بل أخذوا بالقشر وتركوا اللباب ، وأنهم لو أقاموه لما ساءت حالهم ، ولما وجب خزيهم ونكالهم ؛ ولكن اليهود والنصارى كانوا في زمن البعثة في أشد الخزي والنكال ، وعند آخر طرف من الغواية والضلال ؛ ولذلك تقلص بشمس الإسلام ظل سلطانهم بعد حين [ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ]( الروم : 47 ) .
أورد صاحب الأبحاث سبع آيات من القرآن المجيد، وقال إن الآية الأولى تفيد أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل هدى للناس، نعم وقد اهتدى بهما من قبل أقوام فسعدوا، ثم حرَّفوا وفسقوا، وانحرفوا فشقوا ، حتى جاء الإسلام بالهداية الكبرى ، والحجة العظمى ، فاهتدى به بعضهم فسعدوا وسادوا على الآخرين ، وكانوا مع أهله الأعلين ما كانوا به مهتدين .
وقال إن الآية الثانية وهي : [ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ]( المائدة : 68 ) تبين صحتهما، وهو كذلك ولكن للآية تتمة لم يذكرها المصنف ؛ لأنه غير منصف وهي قوله : [ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ]( المائدة : 68 ) فكأنه يأمرنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض كما فعل هو ومن على شاكلته بالتوراة ، والمراد بما أُنزل إليهم من ربهم القرآن ؛ فإنه لم ينزل بعد التوراة والإنجيل غيره ، فالله تعالى يأمر أهل الكتاب بأن يكونوا مسلمين يؤمنون بالكتب كلها ، ويبين أن تعللهم واحتجاجهم على عدم اتِّباع القرآن بأنهم أصحاب كتاب سماوي لا حاجة لهم بغيره احتجاج باطل وتعلل كاذب ؛ لأنهم لم يقيموا التوراة والإنجيل وأوضح هذا بالآيات الأخرى الناطقة بأنهم حرَّفوا ، وبأنهم نسوا حظًّا مما ذُكِّروا به ، وأنهم لو أقاموهما لما حل بهم الخزي والنكال [ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ]( المائدة : 66 ) وكذلك وقع لإخوانهم الذين أسلموا فقد فازوا ببركات السماء والأرض ، وتتمة الآية التي نحن بصددها [ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ ]( المائدة : 68 ) وهذه الحجة قائمة عليهم إلى يوم القيامة ؛ فإن هؤلاء الدعاة يخدعون عوام المسلمين بوجوب اتِّباع التوراة ويوهمونهم أنهم متبعون لها ، ويقول صاحب الأبحاث أن محمدًا يطلب إقامة حدودها ، ولا يوجد في الدنيا نصراني يقيم حدًّا من حدود التوراة أو يعمل بأحكامها في العبادات والمعاملات ، فما لهم يشفقون على المسلمين وينصحون لهم بإقامة هذه الحدود ولا ينصحون لأنفسهم ولا يشفقون عليها ؟ وقال : والثالثة تبين أن الإنجيل مُنَزَّل من عند الله ، وأن محمدًا راضخ لأحكامه ، والآية الثالثة هي قوله تعالى : [ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ]( المائدة : 47 ) وليس فيها إخبار بأن محمدًا عليه الصلاة والسلام راضخ لأحكامه ؛ ولكن هؤلاء الناس يستبيحون أن يُحَمِّلوا الآيات ما لا تحمله لتأييد أهوائهم ، وبذلك أفسدوا كتبهم وجاءوا يفسدون علينا كتابنا ؛ ولكن الله حفظه من التحريف والتبديل، في الآية قراءتان إحداهما بكسر لام ( وليحكم ) وهي متعلقة بقوله تعالى قبلها : [ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ ]( المائدة : 46 ) أي أعطينا عيسى الإنجيل ليحكم أهله فيه ، وأهله هم بنو إسرائيل لأن القرآن أخبرنا بأنه أرسل إلى بني إسرائيل فعرف أنهم أهله ، وكذلك الإنجيل الذي عندهم الآن يقول إن المسيح قال : ( لم أبعث إلا إلى خراف إسرائيل الضالة ) .
والقراءة الثانية بسكون اللام ، وهي حكاية للأمر السابق عند الإتيان ، أي آتيناه الإنجيل وأمرنا من أرسل إليهم بالعمل به ، ويحتمل اللفظ أن يكون أمرًا مبتدأ ورد على سبيل الاحتجاج على النصارى بعدم العمل بالإنجيل المُصَدِّق للتوارة والمقتضي للعمل بها على ما تقدم بيانه آنفًا ، وإذا جاز لدعاة المسيحيين اليوم أن يحتجوا على المسلمين بأن القرآن يأمرهم بالإيمان والعمل بالتوراة والإنجيل ولا يرون هذا الاحتجاج مقتضيًا لإيمانهم بالقرآن ، فكيف يدعون أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لهم بالحكم بالإنجيل يستلزم أن يكون هو راضخًا لأحكامه .
يتصل الكلام ((يتبع بمقال تالٍ))
________________________
مجلة المنار : 4/14/ص536
]]>
د. جمال الحسيني أبوفرحة
أستاذ لدراسات الإسلامية المساعد بجامعة طيبة بالمدينة المنورة
gamalabufarha@yahoo.com
إن وجود أنموذج أمثل للبشرية لا شك يعد من أهم عوامل تنشئتها الأخلاقية؛ فهو يكشف لنا إلى أي حد يمكن للإنسان أن يرقى وأن يكون فاضلاً.
ومن ثمة فهو حجة على كل من حاد عن طريق فضيلة وزعم العجز عن التحلي بها، أو زعم أن التحلي بفضائل قد يغني عن التحلي بأخرى، زاعمًا أن النقص طبع للإنسان، لا يمكنه منه الفرار، وليس له إلا الاستسلام.
ولقد كان الأنبياء عليهم السلام جميعًا نماذج مثلى لأقوامهم، ولكني آثرت في حديثي هنا عن الأنبياء والاقتداء الاقتصار على من بقى له منهم أتباع ذوو شأن في عصرنا الراهن، وذلك يجعل حديثنا ينحصر في ثلاث أنبياء هم: موسى وعيسى ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وهو حديث يكشف لنا أيضًا أيًا من هؤلاء الأنبياء الثلاثة عليهم السلام يمكن للبشرية اليوم أن تحذو حذوه حتى تصل إلى الغاية المثلى في الارتقاء الروحي والأخلاقي، وأيهم لم يؤهل إلا لرسم أنموذج خاص لقومه وفي عصره فقط دون غيرهم، ومن ثمة فلم يعد لأتباعه في اتباعه اليوم معنى، ولم يعد يسعهم إلا اتباع المثال الأسمى والقدوة الحسنة الذي يمكن للبشرية كلها اليوم أن تقتفي أثره.
فإذا نظرنا إلى أول هؤلاء الأنبياء: موسى عليه السلام، فسنجد أن التاريخ لم يحتفظ لنا بدقائق تفاصيل حياته، كي تكون نبراسًا يهتدي به الأجيال من بعده، ولكن التاريخ طوى دقائق تلك التفاصيل، بل طوى بعضًا من أهم الأحداث في تاريخ حياته عليه السلام.
حتى إن نص التوراة الذي يذكر خبر وفاة موسى عليه السلام: "فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم" . . هذا النص يكشف لنا بوضوح أن موسى عليه السلام كان قد مات قبل كتابته بزمن طويل اجتاحته كثير من الأحداث كانت كافية بلا شك لضياع الشريعة بكل ما تحويه من مبادئ وقيم ومثل، كما كانت كافية لأن لا يعرف أحد مكان قبر صاحب الشريعة عليه السلام عند كتابة ذلك النص من التوراة، رغم محاولة النص تحديد المكان بدقة.
وليت الأمر وقف عند حد جهل البشرية بمكان قبره عليه السلام مع ما يدل عليه ذلك من معان ودلالات، بل وصل الأمر ببعض العلماء إلى حد الشك في حقيقته عليه السلام.
فذهب عالم النفس الشهير "سيجموند فرويد" إلى القول بأن موسى كان مصريًا، وخلط آخرون بينه وبين (باخوس): البطل اليوناني، بل وشك آخرون في حقيقة وجوده عليه السلام التاريخي أصلا.
ومهما يكن من شيء فإن مجرد ترديد مثل هذه الافتراضات على بساط البحث يثبت ما قدمناه من الغموض الشديد الذي يحيط بالأبعاد التاريخية الحقيقية لسيدنا موسى عليه السلام ودعوته، مما يشكل في النهاية عائقًا للبشرية عن كمال الاقتداء به عليه السلام.
أما عيسى عليه السلام، فبرغم شغف أمته بالعلم، ورغم إفراطها في حبه الذي بلغ حد التقديس والتأليه، إلا أنها لم تستطع أن تعرض على العالم إلا نتفًا من أخباره وأقواله عليه السلام التي لا تكوّن هيكلا لحياة بشرية كاملة يمكن أن يقلده الإنسان في حياته الفردية أو يسير في ضوئه مجتمع فاضل.
فإذا استبعدنا الأربعين يومًا التي تروي الأناجيل أن المسيح عليه السلام قضاها في البرية- والتي لم تخبرنا الأناجيل عنها بشيء يذكر- سنجد أن كل ما نقل أن المسيح قاله أو عمله في كل الأناجيل الأربعة يملأ فقط فراغ حوالي ثلاث أسابيع من العمر، وهذا يترك الجزء الأكبر من حياة المسيح وأعماله غير مسجل.
وحتى هذا الجزء البسيط الذي سجلته الأناجيل الأربعة يؤكد عدم صلاحية المسيح عليه السلام لأن يكون مثالا يحتذى به في كل شيء، فالمسيح لم يتزوج أبدًا، ولم يعاشر امرأة قط؛ فكيف يحتذي به الأزواج؟! والمسيح لم يكن قط أبًا؛ فكيف يحتذي به الآباء؟! والمسيح عليه السلام لم ينتصر قط على أعدائه في حرب ليري كيف يجب أن يتصرف المنتصر تجاه أعدائه المنهزمين، والمسيح لم يكن قط حاكمًا، أو قاضيًا؛ ليكون نموذجًا مثاليًا لكل قاض، ولكل حاكم من بعده.
بل إن هذا القليل الذي يروى عن المسيح أنه قاله لم يمهله الوقت ولم تمكنه الظروف من تطبيقه، بل ربما روي أنه طبق عكسه، فالمسيح الذي قال: "من غضب على أخيه استوجب حكم القضاء، ومن قال لأخيه: يا أحمق، استوجب حكم المجلس، ومن قال له: يا جاهل، استوجب نار جهنم"، والمسيح الذي قال: "أحبوا أعداءكم، وصلوا من أجل مضطهديهم... فإن أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم" هو المسيح الذي لم يحب يومًا فريسيا، وهو الذي كثيرًا ما قال للفريسيين: "يا أغبياء"، "أيها الجهّال والعميان"، "أيها الحيات أولاد الأفاعي".
والمسيح الذي قال: "لا تقاوموا الشرير، بل من لطمك على خدك الأيمن فأعرض له الآخر، ومن أراد أن يحاكمك ليأخذ قميصك فاترك له رداءك أيضًا، ومن سخرك أن تسير معه ميلا واحدًا فسر معه ميلين"، هو المسيح الذي قال: "من لم يكن عنده سيف فليبع رداءه ويشتره".
بل إن هذا الغموض الذي أحاط بحياة المسيح عليه السلام وتعاليمه تجلى أحيانًا في شكل تيار عارم ينكر وجوده عليه السلام التاريخي ويذهب إلى أنه نتاج الفلسفة أو الرمزية أو الأساطير؛ مستدلا على ذلك بما بين قصة حياة المسيح عليه السلام التي وردت في الأناجيل من تشابه يكاد يصل أحيانًا إلى حد التطابق في أدق التفاصيل مع كثير من الأساطير القديمة.
هذا بالإضافة إلى عدم وجود شواهد تاريخية تدعم وجوده عليه السلام خلاف العهد الجديد؛ فلم يذكر أحد من المعاصرين لبداية القرن الميلادي الأول سواء من اليهود أو الرومان عنه شيئًا.
أما تلك الفقرة التي وردت عنه عليه السلام في كتابات يوسفوس Josephus (المؤرخ اليهودي القديم) فإنما هي إضافة لاحقة قام بها أحد النساخ المسيحيين، ويتبين ذلك من إقرار كاتبها واعتقاده في أن عيسى هو مسيح اليهود المنتظر، وذلك ما لا يمكن نسبته إلى يوسفوس، ولو أن يوسفوس قد آمن بالمسيحية لما اكتفى بالإشارة إلى المسيحية في ثلاثة سطور جاءت عرضًا بغير تعقيب أو تفصيل.
وعليه فلم يعد هناك دليل دامغ على الوجود التاريخي لأي من موسى وعيسى عليهما السلام إلا شهادة من أثبت العقل والعلم أنه الصادق .
أما نبي الإسلام – محمد عليه أفضل الصلاة والسلام- فهو المثال الأسمى لكل من أراد الاقتداء شهد بذلك أتباعه وبعض ممن لم يتبعه؛ فهو أعظم الشخصيات أثرًا في التاريخ في رأي "مايكل هارت"، وهو أعظم إنسان عاش على وجه الأرض في رأي "لامارتين"، وهو الإنسان الوحيد الذي سجل له التاريخ كل دقائق خَلقه، وخُلقه، وأقواله، وأفعاله، وسكناته.
إن الإنسان الذي عليه أن يعيش حياته: كزوج، كأب، كأجير، كرجل أعمال ثري، كثائر، كمضطهد، كقائد، كقاض، كحاكم ومشرع، كرجل صاحب سلطة، كبشر: يمرض ويوصي ويموت، إن هذا الإنسان سوف يجد أن محمدًا  هو النموذج الأوحد، والنموذج الأمثل له في جميع سبل الحياة ومجالاتها؛ فصدق رسولنا القائل "إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق، وكمال محاسن الأعمال".
وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا [الأحزاب:21].
---------------------------------------------------------
عنوان المراسلات:المملكة العربية السعودية – المدينة المنورة- جامعة طيبة- كلية المجتمع- ص ب:2898- ت:0508628894
بسم الله .. الحمد لله وكفى .. وسلام على عباده الذين اصطفى .. ثم أما بعد ..
كم هى ممتعة كتابات النصارى الذين أسلموا !
لكن الأكثر إمتاعاً عندما يتصدون لعلماء دينهم السابق ، يبينون تهافتهم ، ويفندون باطلهم ، دافعين عن الإسلام كل باطل وسوء .
" الله واحد أم ثالوث "
تأليف المستشار الدكتور : محمد مجدى مرجان
ولد فى أسرة متدينة مسيحية ، وكان شماساً فى الكنيسة ، ثم اعتنق الإسلام ، وكتب أربعة كتب فى إظهار الحق : الله واحد أم ثالوث ، المسيح إنسان أم إله ، محمد صلى الله عليه وسلم نبى الحب ، لماذا أسلمت ؟
يشغل الآن منصب رئيس محكمة الجنايات والاستئناف العليا ، ورئيس منظمة الكتاب الأفريقيين والآسيويين .
اخترت لكم فصلاً ممتعاً من كتابه القيم ، أسوقه إليكم إن شاء الله ، بعد ملاحظة جانبية ..
يرد فى كتاب الدكتور مرجان اسم " يس منصور " كثيراً ، وأغلب ظنى أنه خطأ مطبعى ، أقصد " يس " ، مع أنها تتكرر فى كثير من الكتابات بهذا اللفظ .. والذى أميل إليه ، وقد قرأته فى كتاب من قبل ، أن تصحيحها هو " يسى " ، وهذا أقرب من " يس " للتصديق ، لأنه اسم أبى داود فى الكتاب المقدس .
أترككم الآن مع هذا الفصل الماتع !
الفصل الرابع : القرآن والثالوث
رغم عدم اقتناع أصحاب الثالوث به ، ورغم اختلافهم حوله فى جملته وتفصيله ، وفى عناصره وأقانيمه ، فقد دفع الغى والمكابرة بالبعض منهم إلى الادعاء بأن الإسلام وكتابه المنزل على رسوله " القرآن الكريم " لا يعترف بوحدانية الله ، بل يؤمن بثالوثهم الإلهى !
يقول القمص باسيليوس إسحق : " إن البسملة الإسلامية ، وهى بسم الله الرحمن الرحيم ، تؤيد التثليث ، فالله هو الآب ، والرحمن هو الابن ، والرحيم هو الروح القدس " [كتاب الحق ص 122]
ونعتقد أن القمص الفاضل قد نسى أن كلا من صفتى الرحمن والرحيم هما بعضاً من الصفات التى لا تحصى لله الواحد الأوحد ، وليست جزءاً أو عنصراً أو أقنوماً من أقانيم الله ، فالله سبحانه وتعالى ذو صفات وأسماء عديدة لا يمكن حصرها ، وهى إن دلت على شىء فإنما تدل على قدرته وعظمته جل وعلا ، وعلى تفرده وحده بالربوبية والتعظيم .
ونحن إذا تابعنا هذا الرأى فإنه يمكن الاستدلال من القرآن ليس فقط على التثليث بل على التسبيع ووجود سبعة آلهة وليس ثلاثة ، وذلك بما ورد فى أول سورة غافر : " حم . تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم . غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذى الطول " .
بل يمكن أيضاً أن يجرفنا الزيغ والضلال ، فنقرر أن القرآن يثبت وجود سبعة عشر إلهاً ! .. وذلك بما ورد فى آخر سورة الحشر التى ورد بها سبعة عشر اسماً وصفة من الصفات التى يتصف بها الرحمن والتى لا يحصيها بيان .
ومع ذلك فإن قسيسنا الفاضل القمص باسيليوس إسحق يتمادى فى ادعائه ، ويقوم باستجلاب بعض الألفاظ الدارجة التى يتلفظ بها العامة أحياناً ، ثم يقوم بتحميل تلك الألفاظ فوق ما تحتمل أوتطيق ، رغبة منه فى إلصاق تهمة التثليث بها وهى بريئة منها براءة الحملان ..
يقول القمص باسيليوس : " إن القسم المغلظ الذى يقسمه المسلم قائلاً : والله العظيم ثلاثة .. فإنما يقسم بالآب والابن والروح القدس ، وإذا طلق المسلم زوجته طلقة بائنة ، فإنه يطلقها ثلاثاً ، أى أنه يطلقها باسم الآب والابن والروح القدس ".
ويستطرد القمص قائلاً : " إن المسلم يفتتح صلاته بالتكبير قائلاً : ( الله أكبر ) والمقصود بذلك مقارنة الله بآخر من ذات جنسه ونوعه ، وأن المسلمين بذلك يعتنقون المذهب المسيحى القائل بأن أقنوم الآب أعظم من أقنوم الابن ".
ويقول القمص باسيليوس إن هذه الأقوال وردت فى القرآن وأنها تدل على إيمان المسلمين بالثالوث .
وبعد هذا الشرح المستفيض لعقيدة الثالوث ، وادعاء اعتناق الإسلام لها ، يعود القمص فيقرر عدم فهمه وإدراكه لحقيقة الثالوث فيقول : " أجل ، إن هذا التعليم عن التثليث فوق إدراكنا ، ولكن عدم إدراكه لا يبطله " .
والإنسان منا ليعجب فى هذا الأمر ! .. كيف يؤمن المرء بعقيدة لا يفهمها ؟! .. وكيف يحاول أن يقصر غيره على الاعتقاد بما لا يفهمون ولا يفهم ؟ .. بل كيف يصل به التمادى إلى ادعاء اعتناق دين التوحيد الأسمى لعقيدة الثالوث ، التى ما جاء هذا الدين إلا لتحرير العقول والقلوب من أدرانها وترهاتها ؟
وإذا تركنا جانباً عواطف الدهشة والاستنكار ، ثم حاولنا أن نناقش أقوال القمص باسيليوس من الناحية الموضوعية ، طالعنا منذ البداية أنها قد بنيت فى جملتها على المغالطة والبعد عن الصواب ، فلا مراء ولا جل فى أنه لا علاقة للقرآن الكريم الذى نزل من عند الله بألفاظه ومعانيه بتلك الكلمات الدارجة التى أتى بها القمص لتأييد ثالوثه ، فهذه الكلمات لم ترد فى القرآن ، ولم تنزل على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم .
ومع تسليمنا بأن هذه الألفاظ قد يستعملها الناس مسلمين وغير مسلمين فى أحاديثهم ، فإنه لا علاقة لتلك الألفاظ مطلقاً بأحلام القمص الثالوثية ، فالمسلم حين يقسم بالله العظيم مرة واحدة ، وحين يكرر قسمه أحياناً مرتين أو ثلاثة ، أو أكثر من ذلك أو أقل ليؤكد عزمه على الوفاء بقسمه ، أو حين يعزم على طلاق زوجته فينطق بصيغة الطلاق قائلاً لها : أنت طالق ، وأحياناً يردد تلك الصيغة مرة أو مرات ليؤكد تصميمه على إيقاع الطلاق .. هذه الألفاظ التى تخضع فى صيغتها وفى عدد مرات تكرارها للبيئة والعرف والعادات الاجتماعية ، والتى تختلف صيغتها وتكرار ترديدها من مجتمع إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى ، على اختلاف دياناتها ومعتقداتها ، مثلها فى ذلك مثل الأمثال العامية التى تقول إن المرة الثالثة ثابتة ، أو العدد عشرة يجلب الحظ والعدد 13 يجلب النحس .. هذه الأقوال والأمثال فى جملتها مستخرجة من ظروف وتاريخ الشعب الذى يستعملها ويسير عليها ، بصرف النظر عن معتقداته وأديانه ، فليس ثمة علاقة بين هذه الألفاظ وبين أى دين من الأديان .
كما أنه من الغرابة بمكان أن نحاول إثبات أو أنفى عقيدة دينية تتعلق بذات الله باستجلاب الألفاظ والأمثال العامية التى وضعها الناس لحكم معاملاتهم المادية واحتكاكاتهم السوقية !
أما القول بأنه إذا نطق المسلم بلفظ الطلاق ثلاث مرات ، أو ألقى يمين الطلاق على زوجته ثلاثاً ، فإن هذا يعتبر طلاقاً بائناً ، فلا شك أنه قول مرجوح لا يستند إلى دليل ولا يجرى عليه علم ، ذلك أن العبرة دائماً ليست بتكرار الألفاظ أو بترديد الكلمات ، وإنما العبرة أولاً وأخيراً هى بتعدد المرات التى يقوم فيها المسلم من حيث الواقع بتطليق زوجته وإعادتها إلى عصمته ، فمهما عد المسلم أيمان الطلاق ، ومهما كرر التلفظ بصيغة الطلاق مرة أو مرات ، ثلاثاً أو عشراً ، فما دام أنه يطلق زوجته ـ من حيث الواقع ـ للمرة الأولى ، فإن طلاقه هذا لا يعتبر بحال من الأحوال طلاقاً بائناً ، هذا هو حكم الشرع والقانون ، وهذا هو ما يسير عليه العمل .
أما التكبير والتعظيم لله الكبير العظيم الذى يفتتح به المسلم صلاته بقوله " الله أكبر " و " الله أعظم " ، فهو لفظ يعنى أن الله أكبر وأعظم من كل ما فى الوجود .. إنها تعنى أن الله أكبر وأعظم من كل شىء ، وأنه سبحانه ليس كمثله شىء ، إنها تعنى تفرد الله وحده بالإكبار والإعظام والإجلال ، فالله وحده هو الأكبر والأعظم والأغنى والأعلى من كل ما فى الوجود ، ولم يدر بخلد إنسان ما بقولة القمص باسيليوس من أن هذا الإكبار والإعظام لله يعنى مقارنة بين إلهين أحدهما أكبر أو أعظم من الآخر .. حاشا لمؤمن أن يتردى فى هذا الضلال !
ويشرع كاتب ثالوثى آخر فى محاولة إثبات الثالوث والبرهنة عليه من القرآن ، ولكن بطريقة أخرى مغايرة لطريقة القمص باسيليوس ، ذلك هو الأستاذ يس منصور يقول سيادته : " إن الإسلام يذكر حوالى تسعاً وتسعين اسماً لله ، أى أن صفات الله الحسنى نحو 99 صفة ، وهذه الصفات متباينة ومختلفة ، تناقض إحداها الأخرى ، بحيث لا يمكن التوفيق بينها فى الذات الواحدة ، إلا إذا آمنا بالتثليث ، فمن أسماء الله الحسنى : الضار المنتقم ، ومنها : العفو الرءوف ، ومنها : القدوس البار " [التثليث والتوحيد ص 105]
ويستطرد الكاتب قائلاً : " كيف يكون الله منتقماً وغافراً معاً ؟ .. فالمنتقم يدل على انتقامه من المذنب انتقاماً بلا تساهل ، أما الغفور فيدل على تبريره للمذنب تبريراً شاملاً "
ويضيف قائلاً : إنه لا يمكن التوفيق بين هذه الصفات المتناقضة إلا بالقول بالتثليث .
ويعنى كاتبنا الألمعى أن نقوم بتوزيع أسماء وصفات الله الحسنى على أفراد الثالوث الإلهى ، بحيث يكون لكل أقنوم أو إله من آلهة الثالوث عدة أسماء وصفات متوافقة مع بعضها وإن اختلفت مع أسماء وصفات الإله الآخر ، فيكون الله الآب مثلاً هو الضار المنتقم ، ويكون الله الابن هو العفو الرءوف الغفور ، ويكون الله الروح القدس البار .
وقد يبدون هذا الرأى فى البداية ـ لبعض الناس ـ أنه متوافق مع المنطق ، ولكن هؤلاء إذا ما تمهلوا قليلاً ، لتبينوا أن هذا الرأى قد وصل إلى حال من البساطة والسذاجة فاقت كل تصور !
إن الأستاذ يس منصور فى رأيه هنا يعتنق مذهب الثنوية الذى كان منتشراً فى بلاد الفرس القديمة إبان الوثنية ، والذى كان يقسم الآلهة إلى قسمين متعارضين ، كل إله منها يحمل صفة مناقضة لصفة الإله الآخر ، وكل إله منها يقوم بعمل لا يقوم به الإله الآخر ، فهذا إله الخير ، وذاك إله الشر ، وهذا إله النور ، وذاك إله الظلام ، وهذا إله الحرب ، وذاك إله السلام .. وهكذا ..
والأستاذ يس فى انسياقه وراء المذاهب الوثنية قد هدم الأساس الأول الذى بنيت عليه عقيدة الثالوث من حيث أراد تبريرها وتدعيمها ، ذلك أن عقيدة الثالوث مؤسسة على الاعتقاد بمشابهة المخلوقات للخالق ، وبأن البشر والحيوانات والنباتات الراقية مكونة من ثلاثة أجزاء كالله الثالوث تماماً ، فالمماثلة والمشابهة بين الخالق والمخلوق هى الدعامة الأولى لعقيدة الثالوث .
ونحن إذا أخذنا الإنسان ، صورة الله ومثاله كما تقرر نظرية الثالوث ، لوجدناه يتصف بعدة صفات متباينة مختلفة ، وبعدة خصائص متغايرة متعارضة ، تظهر أى منها وقت الحاجة إليها ، وتبعاً للظروف التى اقتضتها .
فمن صفات الإنسان مثلاً : العطف والحنان والقسوة والانتقام ، والإنسان نفسه قد تدعوه الظروف تارة إلى القسوة ، وتارة أخرى إلى الرحمة .
فالجندى الذى يكون رحيماً عطوفاً مع ابنه الصغير هو نفسه الجندى الصلب القاسى مع أعداء وطنه ومستعمريه ، والمدرس الذى يقسو على الطلاب الخاملين هو نفس المدرس الذى ينبض عطفاً على الطلاب النابغين ، والعاشق الذى يذوب رقة فى معاملة محبوبته قد يكون قاسياً فى معاملة موظفيه وعماله ، وهكذا بالنسبة لبقية الصفات والخصائص التى يتحلى بها الإنسان ، والتى تظهر أى منها تبعاً للظروف والملابسات التى فرضتها وحتمتها . ولم يقل أحد إن من يقسو لظرف لا يرحم لآخر ، أو من يحب شخصاً لا يكره آخر .
بل إنه حتى الوحوش المفترسة قد أودعت فيها مع القوة والقسوة العطف والحنان ، بحيث يمكن أن تتحول فى لحظة من التوحش إلى الوداعة ومن العنف إلى اللطف ، فالأسد الذى ينقض فى شراسة على فريسته لينهش لحمها ويفتت عظامها ، هو الأسد نفسه الذى ينساب ليونة فى تدليل زوجته ، وهو الأسد نفسه الذى يعتصره الحزن والألم عند موت وليده ، والأسد كما هو فى كافة حالاته ، وبجميع صفاته وخصائصه المختلفة المتباينة .
وعقيدة الثالوث ترى أن هذه المخلوقات المتعددة الصفات ، ما هى إلا صورة للخالق الذى خلقها على صورته وشبهه ، ولكن يبدو أن الأستاذ يس منصور يميل إلى حرمان الخالق من الصفات والملكات المتعددة التى تملكها المخلوقات ، بحيث إنه يلزم لخلق إنسان مثلاً متعدد الصفات والملكات أن يشترك فى صنعه عدة آلهة يمنحه كل منها صفته الخاصة وقدرته الذاتية ، وبهذا تتجمع الصفات فى المخلوق وتتفرق فى الخالق .. إذا لم يكن هذا هو الغى ، فماذا عساه يكون ؟!
خبرونا أيها العقلاء !!
والقرآن يقرر أن كافة الصفات والقدرات والأسماء التى لا تحصى ولا تعد والتى أورد منها 99 اسماً هى لإله واحد لا شريك له ولا مثيل ، وأن هذه الصفات والأسماء إنما تدل على قدرة الله وتفرده بالقوة والعظمة .. يقول سبحانه : " هو الله لا إله إلا هو ، له الحمد فى الأولى والآخرة ، وله الحكم ، وإليه ترجعون " [القصص 70]
ويقول عز من قائل : " الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى " [طه 8]
أما دعوة الثالوث ، وعباد الثالوث ، فيورد القرآن فيها حكمه القاطع ! .. " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ، وما من إله إلا إله واحد ، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم " [المائدة 73]
........................................
الاخ:متعلم
]]>وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون (القرآن الكريم: العنكبوت 46)
1- وحدانية الله :-
]]>
-سفر التثنية الإصحاح 4 : 35 " أن الرب هو الإله . ليس آخر سواه "
قالتعالى سورة البقرة الآية 87
):start-ico وَلَقَدْ آتَيْنَامُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَمَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْرَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْوَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ(
الوجه الأول:ُأخبر عن المسيح أنه لم يقل لهم إلا ما أمره الله به بقوله أن اعبدوا اللهربي وربكم وكان عليهم شهيدا ما دام فيهم وبعد موته كان الله الرقيب عليهم فإذا كانبعضهم قد غلط في النقل عنه أو في تفسير كلامه أو تعمد تغيير دينه لم يكن على المسيحعليه السلام من ذلك درك وإنما هو رسول عليه البلاغ المبينوقد أخبر الله سبحانهأن أول ما تكلم به المسيح أن قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلنيمباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلنيجبارا شقيا
ثم طلب لنفسه السلام فقال والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويومأبعث حيا
والنصارى يقولون علينا منه السلام كما يقوم الغالية فيمن يدعونفيه الإلهية كالنصيرية في علي والحاكمية في الحاكم
الوجهالثاني: أن يقال إن الله لم يذكر أن المسيح مات ولا قتل وإنما قال يا عيسىإني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وقال المسيح فلما توفيتني كنت أنتالرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد
وقال تعالى سورة النساء الآيات 155 161
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِاللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌبَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً{4/155} وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا {4/156} وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِوَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَاخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّاتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا {4/157} بَل رَّفَعَهُ اللّهُإِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا {4/158} وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِإِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُعَلَيْهِمْ شَهِيدًا {4/159} فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَاعَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا{4/160} وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَالنَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا{4/161}
فذم الله اليهود بأشياء منها قولهم على مريم بهتانا عظيماحيث زعموا أنها بغي ومنها قولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله
قال تعالى: وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهموأضاف هذا القول إليهم وذمهم عليه ولم يذكر النصارى لأن الذين تولوا صلبالمصلوب المشبه به هم اليهود
ولم يكن أحد من النصارى شاهدا معهم بل كانالحواريون خائفين غائبين فلم يشهد أحد منهم الصلبوإنما شهده اليهود وهم الذينأخبروا الناس أنهم صلبوا المسيح والذين نقلوا أن المسيح صلب من النصارى وغيرهم إنمانقلوه عن أولئك اليهود وهم شرط من أعوان الظلمة لم يكونوا خلقا كثيرا يمتنع تواطؤهمعلى الكذب
قال تعالى: وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبهلهمفنفى عنه القتل ثم قال: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننبه قبل موته
وهذا عند أكثر العلماء معناه قبل موت المسيح وقد قيلقبل موت اليهود وهو ضعيف كما قيل إنه قبل موت محمد = وهو أضعف فإنه لو آمن به قبلالموت لنفعه إيمانه به فإن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر
وإن قيلالمراد به الإيمان الذي يكون بعد الغرغرة لم يكن في هذا فائدة فإن كل أحد بعد موتهيؤمن بالغيب الذي كان يجحده فلا اختصاص للمسيح به ولأنه قال[قبلموته] ولم يقل[بعد موته] ولأنه ولا فرق بين إيمانهبالمسيح وبمحمد صلوات الله عليه وسلامه واليهودي الذي يموت على اليهودية فيموتكافرا بمحمد والمسيح عليهما الصلاة والسلام ولأنه قال: وإن من أهلالكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته
وقوله[ ليؤمننبه] ... فعل مقسم عليه .... وهذا إنما يكون في المستقبل فدل ذلك على أن هذاالإيمان بعد إخبار الله بهذا .... ولو أريد قبل موت الكتابي لقال{ وإن من أهل الكتاب إلا من يؤمن به} لم يقل{ ليؤمنن به}
وأيضا فإنه قال{ إن من أهلالكتاب} ... وهذا يعم اليهود والنصارى ... فدل ذلك على أن جميع أهل الكتاباليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح وذلك إذا نزل آمنت اليهود والنصارىبأنه رسول الله ليس كاذبا كما يقول اليهود ولا هو الله كما تقوله النصارى
والمحافظة على هذا العموم أولى من أن يدعي أن كلكتابيليؤمنن بهقبل أن يموت الكتابي فإن هذا يستلزم إيمان كل يهودي ونصراني وهذاخلاف الواقع وهو لما قال وإن منهم إلا ليؤمنن به قبل موته ودل على أن المرادبإيمانهم قبل أن يموت هو علم أنه أريد بالعموم .. عموم من كان موجودا حين نزوله أيلا يتخلف منهم أحد عن الإيمان به لا إيمان من كل منهم ميتاوهذا كما يقال إنهلا يبقى بلد إلا دخله الدجال إلا مكة والمدينة أي في المدائن الموجودة حينئذ... وسبب إيمان أهل الكتاب به حينئذ ظاهر فإنه يظهر لكل أحد أنه رسول مؤيد ليس بكذابولا هو رب العالمين
فالله تعالى ذكر إيمانهم به إذا نزل إلى الأرض فإنهتعالى لما ذكر رفعه إلى الله بقوله:start-ico إني متوفيك ورافعكإلي) وهو ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامةويموت حينئذ أخبر الآية الزخرف الآيات 59 65
إِنْ هُوَإِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ{43/59} وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ{43/60} وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِهَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ {43/61} وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُلَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ {43/62} وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْجِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ {43/63} إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْفَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ {43/64} فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنبَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ( {43/65}
في الصحيحين أن النبي = قال:
يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا فيكسرالصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية
وقوله تعالى: وماقتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علمإلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما
بيان أن الله رفعه حيا وسلمه من القتل وبين أنهم يؤمنون به قبل أنيموت
وكذلك قوله{ومطهرك من الذين كفروا}ولو ماتلم يكن فرق بينه وبين غيره
*معنىالتوفي
ولفظالتوفيفي لغة العربمعناه الاستيفاء والقبض وذلك ثلاثة أنواع:
أحدهاتوفيالنوموالثانيتوفي الموتوالثالثتوفي الروح والبدن جميعا...
فإنه بذلك خرج عنحال أهل الأرض الذين يحتاجون إلى الأكل والشرب واللباس ويخرج منهم الغائط والبولوالمسيح عليه السلام توفاه الله وهو في السماء الثانية إلى أن ينزل إلى الأرض ليستحاله كحالة أهل الأرض في الأكل والشرب واللباس والنوم والغائط والبول ونحو ذلك
الوجه الثالثقولهم إنه عنى بموته عن موت الناسوتكان ينبغي لهم أن يقولوا على أصلهم عنى بتوفيته عن توفي الناسوت وسواء قيل موته أوتوفيته فليس هو شيئا غير الناسوت فليس هناك شيء غيره لم يتوف الله تعالىقال:
إني متوفيك ورافعك إلي: فالمتوفى هو المرفوعإلى اللهوقولهم إن المرفوع هو اللاهوت .... مخالف لنص القرآن ولو كان هناك موتفكيف إذا لم يكن فإنهم جعلوا المرفوع غير المتوفى ... والقرآن أخبر أن المرفوع هوالمتوفى
وكذلك قوله في الآية الأخرى: وما قتلوه يقينا بلرفعه الله إليه... هو تكذيب لليهود في قولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابنمريم رسول الله
واليهود لم يدعوا قتل لاهوت ولا أثبتوا لله لاهوتا فيالمسيح ... والله تعالى لم يذكر دعوى قتله عن النصارى حتى يقال إن مقصودهم قتلالناسوت دون اللاهوت بل عن اليهود الذين لا يثبتون إلا الناسوت
وقد زعمواأنهم قتلوه فقال تعالى: وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه: .... فأثبت رفع الذي قالوا إنهم قتلوه وإنما هو الناسوت فعلم أنه هو الذي نفي عنهالقتل وهو الذي رفع والنصارى معترفون برفع الناسوت لكن يزعمون أنه صُلب وأقام فيالقبر إما يوما وإما ثلاثة أيام ثم صعد إلى السماء وقعد عن يمين الأب الناسوت معاللاهوت
وقوله تعالى: وما قتلوه يقينا... معناهأن نفي قتله هو يقين لا ريب فيه بخلاف الذين اختلفوا بأنهم في شك منه من قتله وغيرقتله فليسوا مستيقنين أنه قتل إذ لا حجة معه بذلك
ولذلك كانت طائفة منالنصارى يقولون إنه لم يصلب فإن الذين صلبوا المصلوب هم اليهود وكان قد اشتبه عليهمالمسيح بغيره كما دل عليه القرآن وكذلك عند أهل الكتاب أنه اشتبه بغيره فلم يعرفوامن هو المسيح من أولئك حتى قال لهم بعض الناس أنا أعرفه فعرفوه وقول من قالوا معنىالكلام ما قتلوه علما بل ظنا قول ضعيف
الوجه الرابعأنه قال تعالى:إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهركمن الذين كفروا... فلو كان المرفوع هو اللاهوت لكان رب العالمين قال لنفسهأو لكلمته{ إني رافعك إلي} وكذلك قوله{بل رفعه الله إليه} فالمسيح عندهم هو الله
ومن المعلوم أنه يمتنعرفع نفسه إلى نفسه وإذا قالوا هو الكلمة فهم مع ذلك أنه الإله الخالق لا يجعلونهبمنزلة التوراة والقرآن ونحوهما مما هو كلام الله الذي قال فيه إليه يصعد الكلمالطيب بل عندهم هو الله الخالق الرازق رب العالمين ورفع رب العالمين إلى ربالعالمين ممتنع
الوجه الخامسقوله: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم.. دليل على أنه بعد توفيته لم يكن الرقيب عليهم إلا الله دون المسيح فإنقوله كنت أنت يدل على الحصر كقوله{إن كان هذا هوالحق}ونحو ذلك ... فعلم أن المسيح بعد توفيته ليس رقيبا على اتباعه بل اللههو الرقيب المطلع عليهم المحصي أعمالهم المجازي عليها والمسيح ليس برقيب فلا يطلععلى أعمالهم ولا يحصيها ولا يجازيهم بها
اللهم تقبل منا صالحالأعمال
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتبة الاخ: السيف البتار
]]>
د. جمال الحسيني أبوفرحة
أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد بجامعة طيبة بالمدينة المنورة
malabufarha@yahoo.com
لقد جاء في نزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان أحاديث تصل في مجموعها إلى حد التواتر؛ حتى إن النووي في شرحه على صحيح مسلم بوّب لأحاديث مسلم في ذلك بابين: بابًا بعنوان: "باب بيان نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا"، وبابًا بعنوان: "باب ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال".
وهذه الأحاديث تصف المسيح عليه السلام في شكله، وفي طريقة نزوله إلى الأرض، وفي سلوكه في بعض المواقف التي يتعرض لها، وفي وظيفته عليه السلام على الأرض، وبأنه تابع لشريعة الإسلام: لا يحكم بشريعته التي كان عليها من قبل، ولا يأتي بشرع جديد؛ مما يحول دون الخلط بينه عليه السلام وبين المسحاء الكذبة الذين تبلى بهم البشرية في كل عصر ومصر منذ رفعه عليه السلام وحتى نزوله في آخر الزمان؛ كما يحول دون محاولات تأويل نزوله عليه السلام بغلبة روحه وسر رسالته على الناس؛ وهو ما ذهب إليه غلام أحمد القادياني في رسالته إلى صلحاء العرب، ومحمد عبده في تفسير المنار.
وعقيدة نزول المسيح عليه السلام لم يختص بها المسلمون فقط؛ بل هي متواترة عند المسيحيين أيضًا؛ ففي إنجيل "متى" يسأل الحواريون المسيح عليه السلام: "قل لنا متى تكون هذه الأمور وما علامة مجيئك ونهاية العالم؟". . وفي سفر أعمال الرسل من الكتاب المقدس: "إن يسوع – أي المسيح - هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء".
وكثيرًا ما يثار تساؤل هنا عن الحكمة في نزول عيسى عليه السلام دون غيره من الأنبياء في آخر الزمان.
وأرى أن من حكم ذلك إقامة الحجة على اليهود والنصارى، وإتمام المنة والكرامة على عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم وأمته.
ذلك أن في نزوله عليه السلام ردًا على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه؛ فيتبين كذبهم وأنه عليه السلام هو قاتلهم . . ثم إن اليهود كانوا ولا يزالون ينتظرون منتظرًا لقبته كتبهم المقدسة بالمسيح، فإذا جاء الدجال آخر الزمان اتبعوه على أنه هو مسيحهم المنتظر، ولقبوه بالمسيح؛ فكان نزول عيسى عليه السلام بالذات ليتبين مسيح الهدى من مسيح الضلال.
وفي نزوله عليه السلام كذلك رد على النصارى الذين يزعمون إلوهيته عليه السلام؛ فيكذبهم الله بنزوله وإعلانه بشريته؛ بل وإسلامه وكسره الصليب.
أضف إلى ذلك أن نزوله عليه السلام هو من إكرام الله تعالى له بأن جعله من أمة الإسلام (خير أمة أخرجت للناس) آل عمران:110.
كما أنه من إكرام الله تعالى لرسوله محمد – صلى الله عليه وسلم- أن جعل من أمته وأتباعه نبيًا مرسلا.
كما أنه من إكرام الله تعالى لأمة محمد – صلى الله عليه وسلم- أن جعل فيهم نبيًا كحاكم مقسط في أشد أوقات محنتها وفتنتها مع المسيح الدجال.
تلك الفتنة التي قال فيها النبي – صلى الله عليه وسلم- : "من سمع بالدجال فلينأ عنه؛ فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات" رواه أبو داود وأحمد. وقال فيها: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال" رواه مسلم. وفي رواية: " ....فتنة أكبر من فتنة الدجال" رواه أحمد. وقال: "إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيًا إلا حذر أمته الدجال" رواه ابن ماجه.
وصدق رسول الله– صلى الله عليه وسلم- فها هو إنجيل مرقس من العهد الجديد يحذر على لسان المسيح عليه السلام من تلك الفتنة قائلا:
"وإذا رأيتم المخرب الشنيع قائمًا . . . فستكون تلك الأيام أيام شدة لم يحدث مثلها منذ بدء الخليقة التي خلقها الله إلى اليوم ولن يحدث، ولو لم يقصر الله تلك الأيام لما نجا أحد من البشر؛ ولكن من أجل المختارين الذين اختارهم قصر تلك الأيام، وعندئذ إذا قال لكم أحد من الناس: ها هو المسيح هنا، ها هو ذا هناك فلا تصدقوه؛ فسيظهر مسحاء دجالون، وأنبياء كذابون، يأتون بآيات وعجائب ليضلوا المختارين لو أمكن الأمر؛ أما أنتم فاحذروا فقد أنبأتكم بكل شيء . . . وحينئذ يرى الناس ابن الإنسان – أي المسيح- آتيًا في الغمام في تمام العزة والجلال".
وها هو سفر دانيال من العهد القديم يحذر على لسان دانيال عليه السلام من تلك الفتنة واصفًا إياها بأنها: "ضيق لم يكن له مثيل منذ أن وجدت أمة حتى ذلك الزمان".
أعاذنا الله من تلك الفتنة، وله الحمد منا، والمنة علينا، إنه لطيف خبير.
-------------------------------------------------
عنوان المراسلات:المملكة العربية السعودية - المدينة المنورة – جامعة طيبة – كلية المجتمع – ص.ب: (2898) ت: 0508628894