المسيح يبشر بالبارقليط - د. منقذ السقار

User Rating:  / 1
PoorBest 


أعظم بشارات العهد الجديد بالنبي الخاتمهي نبوءات المسيح عن مجيء البارقليط.
وينفرد يوحنا في إنجيلهبذكر هذه البشارات المتوالية من المسيح بهذا النبي المنتظر، حيث يقول المسيح موصياًتلاميذه: " إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر،ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولايعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم، ويكون فيكم ... إن أحبني أحد يحفظكلامي، ويحبه أبي وإليه نأتي، وعنده نصنع منـزلاً.

 

الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي، والكلام الذي تسمعونه ليسلي، بل للآب الذي أرسلني، بهذا كلمتكم وأنا عندكم، وأما المعزي الروح القدس الذيسيرسله الآب فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم …. قلت لكم الآن قبل أنيكون، حتى متى كان تؤمنون، لا أتكلم أيضاً معكم كثيراً، لأن رئيس هذا العالم يأتي،وليس له فيّ شيء " (يوحنا 14/15 – 30).
وفي الإصحاح الذي يليهيعظ المسيح تلاميذه طالباً منهم حفظ وصاياه، ثم يقول: " متى جاء المعزي الذي سأرسلهأنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي، وتشهدون أنتمأيضاً لأنكم معي في الابتداء.
قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا،سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله... قد ملأ الحزن قلوبكم، لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلقلا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم.
ومتى جاء ذاكيبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة، أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي، وأماعلى بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً، وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالمقد دين.
إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لاتستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق،لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية، ذاك يمجدني،لأنه يأخذ مما لي ويخبركم" (يوحنا 15/26 - 16/14).
ففي هذهالنصوص يتحدث المسيح عن صفات الآتي بعده، فمن هو هذا الآتي؟

 

البارقليط عند النصارى

 

يجيب النصارى بأن الآتي هو روح القدس الذي نزل علىالتلاميذ يوم الخمسين ليعزيهم في فقدهم للسيد المسيح، وهناك " صار بغتة من السماءصوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم ألسنةمنقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس،وابتدءوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا " (أعمال 2/1 - 4).
ولا تذكر أسفار العهد الجديد شيئاً - سوى ما سبق - عن هذاالذي حصل يوم الخمسين من قيامة المسيح.
يقول الأنبا أثناسيوسفي تفسيره لإنجيل يوحنا: " البارقليط هو روح الله القدوس نفسه المعزي، البارقليط: المعزي " الروح القدس الذي يرسله الأب باسمي " (يوحنا 14/26)، وهو الذي نزل عليهميوم الخمسين (أعمال 2/1 - 4) فامتلأوا به وخرجوا للتبشير، وهو مع الكنيسة وفيالمؤمنين، وهو هبة ملازمة للإيمان والعماد".

 

البارقليط عند المسلمين
ويعتقدالمسلمون أن ما جاء في يوحنا عن المعزي، إنما هو بشارة من المسيح بنبينا صلى اللهعليه وسلم، وذلك يظهر من أمور:
منها أن لفظة " المعزي " لفظةحديثة استبدلتها التراجم الجديدة للعهد الجديد، فيما كانت التراجم العربية القديمة(1820م، 1831م، 1844م) تضع الكلمة اليونانية (البارقليط) كما هي، وهو ما تصنعه كثيرمن التراجم العالمية.
وفي تفسير كلمة " بارقليط " اليونانينقول: إن هذا اللفظ اليوناني الأصل، لا يخلو من أحد حالين، الأول أنه "باراكليتوس". فيكون حسب قول النصارى بمعنى: المعزي والمعين والوكيل.
والثاني أنه " بيروكلوتوس "، فيكون قريباً من معنى: محمدوأحمد.
ويقول أسقف بني سويف الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيليوحنا: " إن لفظ بارقليط إذا حرف نطقه قليلاً يصير "بيركليت"، ومعناه: الحمد أوالشكر، وهو قريب من لفظ أحمد".
ويسأل عبد الوهاب النجارالدكتور كارلو نيلنو - الحاصل على الدكتوراه في آداب اليهود اليونانية القديمة - عنمعنى كلمة " بيركلوتس " فيقول: " الذي له حمد كثير".
وممايؤكد خطأ الترجمة أن اللفظة اليونانية (بيركلوتس ) اسم لا صفة، فقد كان من عادةاليونانيين زيادة السين في آخر الأسماء، وهو ما لا يصنعونه في الصفات.
ويرى عبد الأحد داود أن تفسير الكنيسة للبارقليط بأنه " شخصيدعى للمساعدة أو شفيع أو محام أو وسيط " غير صحيح، فإن كلمة بارقليط اليونانية لاتفيد أياً من هذه المعاني، فالمعزي في اليونانية يدعى (باركالوف أو باريجوريس)،والمحامي تعريب للفظة (سانجرس)، وأما الوسيط أو الشفيع فتستعمل له لفظة " ميديتيا"، وعليه فعزوف الكنيسة عن معنى الحمد إلى أي من هذه المعاني إنما هو نوع منالتحريف.
ويوافقه الدكتور سميسون في كتاب "الروح القدس أو قوةفي الأعالي"، فيقول: "الاسم المعزي ليس ترجمة دقيقةجداً".
ومما سبق يتضح أن ثمة خلافاً بين المسلمين والنصارى فيالأصل اليوناني لكلمة " بارقليط " حيث يعتقد المسلمون أن أصلها " بيركلوتوس " وأنثمة تحريفاً قام به النصارى لإخفاء دلالة الكلمة على اسم النبيr أحمد: الذي له حمدكثير.
ومثل هذا التحريف لا يستغرب وقوعه في كتب القوم، ففيهامن الطوام مما يجعل تحريف كلمة " البيرقليط " من السهل الهين.
كما أن وقوع التصحيف والتغير في الأسماء كثير عند الترجمة بيناللغات وفي الطبعات، فاسم "بارباس" في الترجمة البروتستانتية هو في نسخة الكاثوليك" بارابا "، وكذا (المسيا، ماشيح) و(شيلون، شيلوه) وسوى ذلك، وكلمة " البارقليط" مترجمة عن السريانية لغة المسيح الأصلية فلا يبعد أن يقع مثل هذا التحوير حينالترجمة.
 
ولجلاء التحريف في هذه الفقرة فإن أدوين جونس فيكتابه " نشأة الديانة المسيحية " يعترف بأن معنى البارقليط: محمد، لكنه يطمساعترافه بكذبة وطامّة لا تنطلي على أهل العلم والتحقيق، فيقول بأن المسيحيين أدخلواهذا الاسم في إنجيل يوحنا جهلاً منهم بعد ظهور الإسلام وتأثرهم بالثقافة الدينيةللمسلمين.

البارقليط بشر نبي، وليس روحالقدس
وأياً كان المعنى للبارقليط: أحمد أو المعزي فإن الأوصافوالمقدمات التي ذكرها المسيح للبارقليط تمنع أن يكون المقصود به روح القدس، وتؤكد أنه كائن بشري يعطيه الله النبوة. وذلك واضح من خلال التأمل في نصوص يوحنا عن البارقليط.
- فإن يوحنا استعمل في حديثه عن البارقليط أفعالاًحسية (الكلام، والسمع، والتوبيخ) في قوله: " كل ما يسمع يتكلم به " وهذه الصفات لا تنطبق على الألسنة النارية التي هبت على التلاميذ يوم الخمسين، إذ لم ينقل أن الألسنة النارية تكلمت يومذاك بشيء، وأما الروح فغاية ما يصنعه إنما هو الإلهام القلبي، وأما الكلام فهو صفة بشرية، لا روحية.
وقد فهم أوائلالنصارى قول يوحنا بأنه بشارة بكائن بشري، وادعى مونتنوس في القرن الثاني (187م) أنه البارقليط القادم، ومثله صنع ماني في القرن الرابع فادعى أنه البارقليط، وتشبهبالمسيح فاختار اثنا عشر تلميذاً وسبعون أسقفاً أرسلهم إلى بلاد المشرق، ولو كان فهمهم للبارقليط أنه الأقنوم الثالث لما تجرؤوا على هذه الدعوى.
- ومن صفات الآتي أنه يجيء بعد ذهاب المسيح من الدنيا،فالمسيح وذلك الرسول المعزي لا يجتمعان في الدنيا، وهذا ما يؤكد مرة أخرى أن المعزى لا يمكن أن يكون الروح القدس الذي أيد المسيح طيلة حياته، بينما المعزي لا يأتي الدنيا والمسيح فيها " إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي".
 وروحالقدس سابق في الوجود على المسيح، وموجود في التلاميذ من قبل ذهاب المسيح، فقد كان شاهداً عند خلق السماوات والأرض. (انظر التكوين 1/2) كما كان له دور في ولادة عيسى حيث أن أمه " وجدت حبلى من الروح القدس " (متى 1/18).
كمااجتمعا سوياً يوم تعميد المسيح، حين "نـزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة" (لوقا 3/22)، فالروح القدس موجود مع المسيح وقبله، وأما المعزي " إن لم أنطلق لايأتيكم "، فهو ليس الروح القدس.
- ومما يدل على بشرية الروحالقدس أنه من نفس نوع المسيح، والمسيح كان بشراً، وهو يقول عنه: "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر"، وهنا يستخدم النص اليوناني كلمة (allon) وهي تستخدم للدلالةعلى الآخر من نفس النوع، فيما تستخدم كلمة (hetenos) للدلالة على آخر من نوع مغاير. وإذا قلنا إن المقصود من ذلك رسول آخر أصبح كلامنا معقولاً، ونفتقد هذه المعقوليةإذا قلنا: إن المقصود هو روح القدس الآخر، لأن روح القدس واحد وغير متعدد.
- ثم إن الآتي عرضة للتكذيب من قبل اليهود والتلاميذ،لذا فإن المسيح يكثر من الوصية بالإيمان به وأتباعه، فيقول لهم: " إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي "، ويقول: " قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان تؤمنوا "، ويؤكد على صدقه فيقول: " لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به".
فكل هذه الوصاة لا معنى لها إن كان الآتي هو الروح القدس، حيثنزل على شكل ألسنة نارية، فكان أثرها في نفوسهم معرفتهم للغات مختلفة، فمثل هذا لا يحتاج إلى وصية للإيمان به والتأكيد على صدقه، لأنه يقوم في القلب من غير حاجة لرده أو قدرة على تكذيبه.
- كما أن الروح القدس أحد أطراف الثالوث،وينبغي وفق عقيدة النصارى أن يكون التلاميذ مؤمنين به، فلم أوصاهم بالإيمان به؟
- وروح القدس وفق كلام النصارى إله مساو للآب في ألوهيته،وعليه فهو يقدر أن يتكلم من عند نفسه، وروح الحق الآتي " لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به".
- ودل نص يوحنا على تأخر زمن إتيانالبارقليط، فقد قال المسيح لهم: " إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق "،فثمة أمور يخبر بها هذا النبي لا يستطيع التلاميذ إدراكها، لأن البشرية لم تصل لحالة الرشد التام في فهم هذا الدين الكامل الذي يشمل مناحي الحياة المختلفة، ومن غير المعقول أن تكون إدراكات التلاميذ قد اختلفت خلال عشرة أيام من صعود المسيح إلى السماء، وليس في النصوص ما يدل على مثل هذا التغيير.
 بل إنالنصارى ينقلون عنهم أنهم بعد نزول الروح عليهم قد أسقطوا كثيراً من أحكام الشريعة وأحلوا المحرمات، فسقوط الأحكام عندهم أهون من زيادةٍ ما كانوا ليحتملوها أو يطيقوها زمن المسيح. فالبارقليط يأتي بشريعة ذات أحكام تثقل على المكلفين الضعفاء، كما قال الله: } إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً { (المزمل: 5).
- كما أن المسيح أخبر أنه قبلأن يأتي البارقليط ستقع أحداث هامة وبارزة " سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله"، وهذا الأمر إنما حصل بعد الخمسين، بل بعد قرون من رفع المسيح، فالنص لا يتحدث عن اضطهاد الرومان أو اليهود لأتباع المسيح، وإنما يتحدث عن اضطهاد رجالات الكنيسة لأتباع المسيح الموحدين، وهم - أي رجال الكهنوت - يظنون أنهم بذلك يحسنون صنعاً، ويقدمون خدمة لله ودينه، فقررت مجامعهم طرد آريوس والموحدين، وأخرجوهم من المجامع الكنسية ، وحكموا عليهم بالحرمان والاضطهاد، واستمر الاضطهاد بأتباع المسيح حتى ندر الموحدون قبيل ظهور الإسلام.
- وذكر يوحنا أن المسيح خبّر تلاميذه بأوصاف البارقليط، والتيلم تتمثل بالروح القدس الحال على التلاميذ يوم الخمسين، فهو شاهد تنضاف شهادته إلى شهادة التلاميذ في المسيح " فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً " فأين شهد الروح القدس للمسيح؟ وبم شهد؟
 بينا نجد أن رسول الله صلى الله عليهوسلم شهد للمسيح بالبراءة من الكفر وادعاء الألوهية والبنوة لله، كما شهد ببراءة أمه مما رماها به اليهود } وبكفرهم وقولهم علىمريم بهتاناً عظيماً { (النساء: 156).
- وأخبر المسيح عن تمجيد الآتي له، فقال: "ذاك يمجدني،لأنه يأخذ مما لي ويخبركم" ولم يمجد المسـيح أحد ظـهر بعده كما مجده نبي الإسلام ، فقد أثنى عليه، وبيّن فضله على سائر العالمين.
في حين أنه لمينقل لنا أي من أسفار العهد الجديد أن روح القدس أثنى على المسيح أو مجده يوم الخمسين، حين نزل على شكل ألسنة نارية.
- وأخبر المسيح أنالبارقليط يمكث إلى الأبد، أي دينه وشريعته، بينا نجد أن ما أعطيه التلاميذ من قدرات يوم الخمسين - إن صح - اختفت بوفاتهم، ولم ينقل مثله عن رجالات الكنيسة بعدهم. وأما رسولنا صلى الله عليه وسلم فيمكث إلى الأبد بهديه ورسالته، وإذ لا نبي بعده ولا رسالة.
- كما أن البارقليط " يذكركم بكل ما قلته لكم " وليس من حاجة بعد رفعه بعشرة أيام إلى مثل هذا التذكير، ولم ينقل العهد الجديد أنروح القدس ذكرهم بشيء، بل إنا نجد كتاباتهم ورسائلهم فيها ما يدل على تقادم الزمن ونسيان الكاتب لبعض التفاصيل التي يذكرها غيره، بينما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما غفلت عنه البشرية من أوامر الله التي أنزلها على أنبيائه ومنهم المسيح عليه السلام.
- والبارقليط له مهمات لم يقم بها الروح القدسيوم الخمسين فهو " متى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر، وعلى دينونة " ولم يوبخ الروح القدس أحداً يوم الخمسين، بل هذا هو صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البشرية الكافرة.
ويرى عبد الأحد داود أن التوبيخ على البرقد فسره المسيح بقوله بعده: " وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني "، ومعناه أنه سيوبخ القائلين بصلبه، المنكرين لنجاته من كيد أعدائه، وقد أخبرهم أنه سيطلبونه ولن يجدوه، لأنه سيصعد إلى السماء، " يا أولادي أنا معكم زماناً قليلاً بعد، ستطلبونني، وكما قلت لليهود حيث أذهب أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا، أقول لكم أنتم الآن ..." (يوحنا 13/32).
 كما سيوبخ النبي الآتي الشيطانويدينه بما يبثه من هدي ووحي "وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين".
وصفة التوبيخ لا تناسب من سمي بالمعزي، وقيل بأنه جاءإلى التلاميذ يعزيهم بفقد سيدهم ونبيهم.
ثم العزاء إنما يكونفي المصائب، والمسيح كان يبشرهم بذهابه ومجيء الآتي بعده.
 كماأن العزاء إنما يكون حين المصيبة وبعدها بقليل، وليس بعد عشرة أيام


 

(موعد نزولالروح القدس على التلاميذ)، ثم لماذا لم يقدم المعزي القادم العزاء لأم المسيح، فقدكانت أولى به.
 
ثم لا يجوز للنصارى أن يعتبروا قتل المسيح علىالصليب مصيبة تستوجب العزاء، إذ هو برأيهم سبب الخلاص والسعادة الأبدية للبشرية،فوقوعه فرحة ما بعدها فرحة، وإصرار النصارى على أن التلاميذ احتاجوا لعزاء الروحالقدس يبطل عقيدة الفداء والخلاص.
ومن استعراض ما سبق ثبت بأنروح القدس ليس هو البارقليط، فكل صفات البارقليط صفات لنبي يأتي بعد عيسى، وهوالنبي الذي بشر به موسى عليه السلام، فالبارقليط " لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمعيتكلم به "، وكذا الذي بشر به موسى " أجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به"، وهو وصف النبيr كما قال الله} وما ينطق عنالهوى* إن هو إلا وحي يوحى* علمه شديد القوى{ (النجم: 3 - 5).
 
بل كلما ذكر عن البارقليط له شواهد في القرآن والسنة تقول بأن الرسول صلى الله عليه وسلمهو صاحب هذه النبوءة، إذ هو الشاهد للمسيح، وهو المخبر بالغيوب، الذي لا نبي بعده،وقد ارتضى الله دينه إلى قيام الساعة ديناً..

 

اعتراضات القس فندر وردود العلامة الهنديعليها
ويثير القس فندر في وجه المسلمين أسئلة يراها تمنع منصرف البارقليط إلى النبي محمدr.
أولها: أنه ورد في البارقليطأنه روح الحق ثلاث مرات، وفي مرة رابعة ورد أنه روح القدس([1]) وهي كما يقول القس فندر ألفاظ مترادفة تدلعلى الروح القدس.
 
والعلامة رحمة الله الهندي في كتابه العظيم"إظهار الحق" يسلم بترادف هذه الألفاظ، ويؤكد أن لفظة (روح الله) دالة على الأنبياءأيضاً، كما جاء في رسالة يوحنا الأولى: "فلا تؤمنوا أيها الأحباء بكل روح منالأرواح، بل امتحنوا الأرواح حتى تعلموا هل هي من عند الله أم لا ؟ لأن كثيرين منالأنبياء الكذبة برزوا إلى هذا العالم " ( يوحنا (1) 4/1-2 )، فالأنبياء الصادقونهم روح الله، والأنبياء الكذبة هم روح الشيطان.
وبين يوحناكيفية معرفة روح الحق من روح الضلال، أي معرفة الأنبياء الصادقين وتمييزهم عنالأنبياء الكذبة، فقال: " بهذا تعرفون روح الله: كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قدجاء في الجسد فهو من الله، وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليسمن الله، وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي، والآن هو في العالم" (يوحنا(1) 4/2 - 6).
ورسولنا هو روح الحق بدليل قول يوحنا، لأنهيعترف بالمسيح أنه رسول من عند الله، وأنه جسد، وأنه من الله كما سائر الناس هم منالله، أي أن الله خلقهم. وبولس هو روح الضلال الذي يعتبر المسيح إلهاً، وهو الموجودفي العالم حينذاك.
ثانيها: أن الخطاب في إنجيل يوحنا توجهللحواريين كما في قوله " يعلمكم " و " أرسله إليكم".... وعليه فينبغي أن يوجدالبارقليط في زمنهم.
ويمنع رحمة الله الهندي هذا الفهم، بلالمراد: النصارى بعدهم. وأقامهم المسيح مقام التلاميذ، وهو أمر معهود في أسفارالعهد الجديد، فقد جاء في متى في خطاب رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع " أقول لكم: منالآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة، وآتياً على سحاب السماء" (متى26/64)، وقد مات المخاطبون وفنوا، ولم يروه آتياً على سحاب السماء.
ومثله قول المسيح: "وقال له: الحق الحق أقول لكم: من الآنترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (يوحنا1/51).
ثالثها: أن البارقليط لا يراه العالم ولا يعرفه، فقدجاء "لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنهماكث معكم، ويكون فيكم" بينما محمدr قد عرفه الناس ورأوه.
ويرد العلامة رحمة الله الهندي بأن هذا ليس بشيء، لأن روحالقدس عندهم هو الله أو روح الله، والعالم يعرف ربه أكثر من معرفته بمحمد، فهي لاتصدق على تأويلهم بحال.
ويرى رحمة الله الهندي أن المقصودبالنص هو أن العالم لا يعرف هذا النبي المعرفة الحقيقية (أي نبوته) أما أنتمواليهود فتعرفونه، لإخبار المسيح والأنبياء لكم عنه.
وأما سائرالناس فهم كما قال المسيح: " لأنهم مبصرين لا يبصرون، وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون" (متى 13/13).
وليس المقصود بقوله: " لا يستطيع العالم أنيقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم" ليس مقصوداًالرؤية البصرية والمعرفة الحسية، بل المعرفة الإيمانية. ومثله ما جاء في يوحنا"أجاب يسوع: لستم تعرفونني أنا، ولا أبي، لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً" (يوحنا8/19) ومثله في الأناجيل كثير. يقول متى هنري في تفسيره لإنجيل يوحنا: إن كلمة(يرى) في النص اليوناني لا تفيد رؤية العين، بل رؤيةالبصيرة.
ولربما كان عدم معرفتهم بالمنتظر القادم أنه غريبوليس من اليهود " وأما المسيح فمتى جاء لا يعرف أحد من أين هو" (يوحنا7/27).
رابعها: جاء في وصف البارقليط أنه " مقيم عندكم وثابتفيكم"، فدل - حسب رأي القس فندر - على وجوده مع الحواريين، ولا يصدق هذا على محمدصلى الله عليه وسلم.
ويرى رحمة الله الهندي أن النص في تراجموطبعات أخرى: " مستقر معكم وسيكون فيكم"، وفي غيرها: " ماكث معكم ويكون فيكم".
والمعنى في ذلك كله الاستقبال وليس الآنية، بمعنى أنه سيقيمعندكم أو يمكث عندكم. ذلك أن النص دل على ذلك، فهو يقول بعدم وجوده بينهم ذلك الوقت" قد قلت لكم قبل أن يكون، حتى متى إذا كان تؤمنوا "، و " إن لم أنطلق لم يأتكمالبارقليط ". وهو ما يقوله النصارى حين يؤمنون أن مجيئه وحلوله كان في يوم الخمسين.
ومثله أخبر حزقيال عن خروج يأجوج ومأجوج بصيغة الحاضر، وهم لميخرجوا بعد فقال: "ها هو قد جاء وصار، يقول الرب: هذا هو اليوم الذي قلت عنه" (حزقيال 39/8)، ومثله في (يوحنا 5/25).
خامسها: جاء في كتابالأعمال: " وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعدالأب الذي سمعتموه مني، لأن يوحنا عمد الماء، وأما أنتم فستتعمدون بالروح القدس،ليس بعد هذه الأيام بكثير " (أعمال 1/4 - 5)، ويرى فندر أن هذا " يدل على أنبارقليط هو الروح النازل يوم الدار، لأن المراد بموعد الآب هو بارقليط".
وفي رده يبين رحمة الله الهندي أن ما جاء في الأعمال وعد آخرلا علاقة له بالبارقليط الذي تحدث عنه يوحنا فحسب، فقد وعدوا بمجيء الروح القدس فيوعد آخر، وتحقق الموعود بما ذكر لوقا في الأعمال. أما ما ذكره يوحنا عن مجيءالبارقليط فلا صلة له بهذه المسألة.
وبذلك فإننا نرى فيالبارقليط النبوءة التي ذكرها القرآن الكريم} وإذ قال عيسى بنمريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراًبرسول يأتي من بعدي اسمه أحمد{  (الصف: 6).

 

.............................................

 

نقلا عن شبكة ردود الاسلامية لدعوة النصارى

معلومات إضافية