اختلاف النصارى حول طبيعة المسيح
- التفاصيل
- المجموعة: هل المسيح هو الله ؟
- نشر بتاريخ الثلاثاء, 17 أيلول/سبتمبر 2013 12:17
- الزيارات: 2511
إليك أيها القارىء الكريمما جاء في كتيب صادر عن منشورات كلية البابا كيرلس السادس اللاهوتية للكرازةالمرقسية ، وهو بعنوان (تعليم كنيسة الاسكندرية فيما يخص طبيعة السيد المسيح) وهوعبارة عن نص الكلمة التي ألقاها الأرشيدياكون وهيب عطا الله جرجس ، ممثلاً لوجهةنظر كنيسة الاسكندرية في المؤتر العالمي الذي عقد بمدينة القدس القديمة في المدة من12_15 أبريل 1959 . وسيتضح لك أيها القارىء الكريم أن المسيحيين أنفسهم ، وبعدعشرين قرناً من المسيح ، لم يستطيعوا بعد أن يتفقوا على تصور واحد لألوهية المسيحالمزعومة.
والتزاماً بالأمانةالكاملة ، ننقل هنا ما ورد في هذا الكتيب ، في شأن طبيعة المسيح عليه السلام:
يقول الأرشيدياكون وهيبعطا الله جرجس:
( إني أجرؤ على أن أقرر أنالخلاف ، كل الخلاف ، بين الكاثوليك ومن يقول بقولهم من أصحاب الطبيعتينكالبروتستانت وبعض الأرثوذكس الذين يعترفون بمجمع خلقيدونية من جانب ، وبينالقائلين بالطبيعة الواحدة في السيد المسيح وممن لا يؤمنون بقانونية مجمع خلقيدونيةمن جانب آخر ، أقول إن الخلاف بين هؤلاء وأولئك خلاف فلسفي صرف يقوم على أساسالتعبير الصحيح الذي ينبغي أن يعبر به عن الاتحاد الكائن بين لاهوت السيد المسيحوناسوته.
أما نحن في الشرق ،فإننا نتخوف كل التخوف من استخدام مصطلحات فلسفية في تعريف أو تحديد معنى أو حقيقةمن الحقائق اللاهوتية ، فالكنائس الأرثوذكسية غير الخلقيدونية ( وهي كنيسةالاسكندرية والكنيستان السوريانية والأرمنية ) تؤمن بلاهوت المسيح كما تؤمن أيضاًبناسوته . ولكن المسيح عندهم طبيعة واحدة مع ذلك . وقد يبدو في هذا نوع من تناقض. ولكن على الرغم مما يبدو في هذا من تناقض منطقي عقلي ، إلا أن كنيستنا لا ترى فيهشيئاً من التناقض لأنها تنظر إلى طبيعة السيد المسيح نظرة صوفية روحانية ينحل فيهاكل ما يبدو أمام الفكر البشري أنه متناقض أو محال ! . هذه التجربة الصوفية أوالروحانية تعلو على كل تناقض عقلي أو فلسفي . فيها لا يسأل المسيحي لم ؟ أو كيف ؟ ،إن في ديانتنا أسراراً نؤمن بها ونقبلها بكل يقين وايمان لا شىء إلا لأنها قد أعلنتلنا من الله . ونحن نؤمن بها على الرغم من معارضتها لحواسنا ومناقضتها لعقلناالمادي ، لا لشيىء إلا لأننا أيقنا أنها من الله . وكما نؤمن بوجود الله وأنه قادرعلى كل شىء ، كذلك نؤمن بأسرار ديانتنا من دون أن نكون في حاجة إلى أن نسأل ، لم ؟أو كيف ؟ ، ولا شك أن العقل الفلسفي لا يستطيع أن يقبل هذا الايمان الصوفي . ولكنالعقل الفلسفي ليس في الواقع عقلاً روحياً على الحقيقة . إنه عقل لا يؤمن إلابقدراته ومقاييسه وحدها . والديانة بالنسبة إلى العقل الفلسفي هي علم يمكن أن يوضععلى قدم المساواة مع أي فرع آخر من فروع المعرفة الانسانية . والعقل الفلسفي يحاولأن يخضع الديانة لذات المنهج العلمي الذي تخضع له كل فروع المعرفة المادية . ومنهنا فقد يدخل إلى الدين مناهج التحليل والتصنيف والاستنباط والاستقراء وما إليها منأجل أن تجعله أكثر إساغة وقبولاً للعقل الفلسفي.
ويا للأسف ، أننا لانستطيع بهذا المنهج في معالجة المسائل الدينية والحقائق اللاهوتية ، أن نفهم روحالديانة ، فعندما يتدخل العقل ، تقف التجربة الروحية الصوفية ، بل تختفي . إن لناأن نستخدم عقولنا إلى حد معين ، وحينئذ يجب أن يقف العقل ويسلم قياده للتجربةالروحية الصوفية.
الايمان الأرثوذكسي فيطبيعة السيد المسيح
إن الايمان الأرثوذكسكما نعترف به في كنيستنا هو أن ربنا يسوع المسيح كامل في لاهوته ، وكامل في ناسوته. ومع ذلك لا نجرؤ على القول إنه إله وإنسان معاً . لأن هذا التعبير ينطوي على معنىالانفصال بين اللاهوت والناسوت . وإنما نقول بالحري أنه ( الاله المتجسد) . فاللاهوت والناسوت متحدان فيه اتحاداً تاماً في الجوهر ، وفي الاقنوم ، وفي الطبيعة. ليس هناك انفصال أو افتراق بين اللاهوت والناسوت في ربنا يسوع المسيح . بل أنهمنذ اللحظة التي حل كلمة الله في رحم السيدة العذراء ، اتخذ الاقنوم الثاني منالثالوث القدوس ، من دمها ، أي من دم العذراء ، جسداً بشريا ذا نفس انسانية ناطقةعاقلة ، واتحد بالناسوت الذي أخذه من القديسة مريم العذراء . فالمولود من القديسةمريم إذن هو الاله المتجسد ، جوهر واحد ، شخص واحد ، أقنوم واحد ، طبيعة واحدة . أوقل هو طبيعة واحدة من طبيعتين ، وبعبارة أخرى يمكن أن نتكلم عن طبيعتين من قبل أنيتم الاتحاد ، أما بعد الاتحاد فهناك طبيعة واحدة لها صفات وخصائص الطبيعتين. !!
وعلى ذلك فالاتحاد الذيتقول به الكنائس الارثوذكسية التي لا تعترف بمجمع خلقيدونية يختلف اختلافاً جوهرياوأساسياً عن نوع الاتحاد الذي يقول به يوطيخيا.
يقول يوطيخيا إن ربنا يسوعالمسيح له طبيعة واحدة ، ولكن على اساس أن ناسوت المسيح قد تلاشى تماماً في لاهوته، اختلط به وانعدم فيه ، مثله مثل نقطة الخل عندما تختلط بالمحيط ، فيوطيخيا ينكرفي الحقيقة ناسوت السيد المسيح إنكاراً تاماً.
وتقول الكنائسالارثوذكسية التي لا تعترف بمجمع خلقيدونية بأن السيد المسيح ذو طبيعة واحدة تجتمعفيها جميع الصفات والخصائص الانسانية أو الناسوتية وجميع الصفات والخصائص اللاهوتية، بدون اختلاط ، وبدون امتزاج ، وبدون تغيير . وهذا هو الايمان الذي يجهر به الكاهنفي القداس القبطي عندما يتلو الاعتراف الأخير ، وهو يحمل الصينية المقدسة على يديهقائلا ً:
(( آمين ، آمين ، آمين ، أؤمن ، أؤمن ، ، وأعترف إلىالنفس الأخير أن هذا هو الجسد المحيي الذي أخذه ابنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنايسوع المسيح ( أخذه ) من سيدتنا وملكتنا كلنا والدة الإله القديسة مريم ، وجعلهواحداً مع لاهوته بغير اختلاط ، ولا امتزواج ، ولا تغيير . . . بالحقيقة أؤمن أنلاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة أو طرفة عين)) .
وعلى ذلك فصفات اللاهوتباقية ، وصفات الناسوت باقية ، ولكن في طبيعة واحدة.
(( المسيحإذن من طبيعتين ، ولكنه ليس هو طبيعتين بعدج الاتحاد)) كما يقول البابا ديوسقورس . فلا اللاهوت امتزجبالناسوت ولا اختلط به ، ولا استحال أحدهما إلى الآخر . إنما اللاهوت والناسوت قداتحدا . واتحادهما ليس من قبيل الاجتماع أو الاقتران أو المصاحبة ، ولكنه اتحادبالمعنى الحقيقي لكلمة اتحاد . وإذا كان اللاهوت والناسوت قد اتحدا ، فقد صاراواحداً ، ولا محل للقول بعد ذلك أن هناك طبيعتين ، وإلإ فلا يكون الاتحاد صحيحاً أوحقيقياً! .
ولكن كيف صار هذاالاتحاد ، أو كيف يكون لطبيعة السيد المسيح الواحدة صفات اللاهوت وصفات الناسوتمعاً بدون اختلاط وبدون امتزاج وبدون تغيير ، أو كيف يكون للسيد المسيح صفاتالطبيعتين ولا تكون له الطبيعتان ، هذا ما لا نعرفه!!
إنه سر من الأسرار الالهية، لا يمكن أن نفهمه أو نعيه أو نحتويه في عقولنا . من هنا سمي في الاصطلاح الكنسيبسر التجسد الالهي . فنحن نؤمن بنوع من الاتحاد يفوق كل فهم بشري وكل تصور.
قد تكون هذه مشكلة كبيرةبالنسبة للعقلالفلسفي أو للعقل المادي ، وقد يكون فيها تناقض ، وقد يكون فيها مايتعارض مع قوانين العقل والمنطق والحس والمادة والمصطلحات الفلسفية . كل هذا قديكون صحيحاً ، ولكننا نصدق ونؤمن بتجربة باطنية روحية صوفية عالية على كل منطق وعقل. أن هذا أمر ممكن ، ذلك لأن الله أراده ، وإذا أراد الله شيئاً فهو ممكن ، وحتى لوكان هذا غير معقول للعقل فإنه معقول للعقل الروحاني الذي لا يعرف لقدرة الله حدوداً. وهذا هو(( الايمانالذي بلا فحص)) الذييصرخ من أجله الكاهن القبطي في القداس الالهي.
قد نتكلم أحياناً عنالطبيعة اللاهوتية والطبيعة الناسوتية ، لكن هذه التفرقة تفرقة ذهنية بحته لا وجودلها في الواقع بالنسبة للسيد المسيح ، الاله المتأنس . ذلك أنه لم يحدث بتاتاً أنالناسوت واللاهوت كانا منفصلين أو متفرقين في الخارج ثم اتحدا معاً بعد ذلك . إن ماحدث هو هذا:
أن الاقنوم الثاني مناللاهوت القدوس نزل وحل في أحشاء البتول مريم ، وأخذ من لحمها ودمها جسداً إنسانيةناطقه عاقلة ) [ صفحة 13 _ 18]
( أما بعد ، فيبدو أنالخلاف بين الكنائس الأرثوذكسية غير الخلقيدونية مجرد خلاف في التعبير ، ذلك لأن كلفريق يقر بالاتحاد بين اللاهوت والناسوت.
وإني أرى أن هذا صحيحإلى حد بعيد ، وأن الخلاف بين الفريقين هو خلاف في الحقيقة على التعبير الصحيح الذيينبغي أن يعبر به المسيحيون عن إيمانهم بحقيقة الاتحاد القائم بين اللاهوت والناسوت.
ومع ذلك فلكنيستناالمرقسية الأرثوذكسية وللكنائس الأرثوذكسية الأخرى التي لا تقر بقانونية مجمعخلقيدونية أسباب تحدوها إلى أن تتمسك بالتعبير(( طبيعةواحدة للكلمة المتجسدة)) أو(( طبيعة واحدة من طبيعتين)) ، أو(( طبيعةواحدة لها صفات وخصائص الطبيعتين بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير)) . وهي الأسباب عينها التي نرفض من أجلها الاقراربتعبير الغربيين(( طبيعتان متحدتان)) .
هذه الأسباب يمكن تلخيصهافي النقاط الآتية:
أولاً : ليس هناك نصإنجيلي واحد يدل بوضوح على أن للسيد المسيح طبيعتين بعد الاتحاد.
على العكس تماماً فإنهذه النصوص المقدسة تساند التعبير(( طبيعةواحدة لها صفات وخواص الطبيعتين))
ثانياً : إن التعبيرالقائل بطبيعتين متحدتين للسيد المسيح _ وهو التعبير الذي تقول به الكنائسالخلقيدونية _ تعبير خطر لأنه يشمل على معاني ، أو على الأقل على احتمالات بمعاني ،تتعارض مع حقائق ديانتنا المسيحية.
1 _ إنه يتضمن الثنائية فيالسيد المسيح . والثنائية نوع من الافتراق والانفصال بين لاهوت السيد المسيحوناسوته . وإلا فلماذا تصر الكنائس الخلقيدونية على القول بطبيعتين متحدتين ، ولايقولون بطبيعة واحدة للكلمة المتجسد.
2 _ إن تعبير الكنائسالخلقيدونية القائل(( بطبيعتين متحدتين)) يحملالتصريح بأن هناك طبيعتين للسيد المسيح كانتا مفترقتين ثم اجتمعتا معاً . وهذا يفتحالسبيل للمذهب النسطوري بعينه ، وهو المذهب الذي ترفضه الكنائس الخلقيدونية رفضاًباتاً وتعتبره هرطقه فاسدة.
إن تعبير(( الطبيعتين المتحدتين)) تعبير هادم لقضية الفداء والخلاص الذي قام بهالسيد المسيح من أجل الجنس البشري . لأنه إذا كانت للسيد المسيح طبيعتان بعدالاتحاد ، فمن المنطقي أن عمل الفداء قام به جسم السيد المسيح ، لأنه هو الذي وقععليه الصلب ، وعلى ذلك ففداء المسيح ليست له أي قوة على خلاص الجنس البشري ، إذيكون الذي مات من أجل العالم هو إنسان فقط ، ومع أن الفداء يأخذ كل قيمته في أنالذي صلب عنا هو بعينه الكلمة المتجسد ! . حقاً إن اللاهوت لم يتألم بآلام الصليبالتي وقعت على ناسوت المسيح ، ولكن اللاهوت هو الذي أعطى فعل الصليب قيمتهاللانهائية لفداء جميع أفراد النوع الانساني. !!
إن التعبير(( طبيعة واحدة لها صفات وخصائص الطبيعتين)) تعبير سليم ينقذ قضية الفداء من الانهيار ، بينماأن القول بطبيعتين متحدتين يقبل الاحتمال بأن الصليب كان صلباً لجسد يسوع فقط ، ولميكن صلباً للمسيح باعتباره الاله المتجسد ، وهذا يفقد الخلاص كل قيمته التي يتعلقعليها فداء الجنس البشري بأسره . وهو معنى تعارضه كل نصوص الكتاب المقدس التي تتكلمعن الفداء . ولسنا في حاجة إلى أن نكرر مرة أخرى ما قاله الرسول القديس بولس من أنالدم الذي سفك لفداء البشرية هو دم الله عينه(( كنيسةالله التي افتداها بدمه)) [ اعمال20 : 8 ]
4 _ إن تعبير الطبيعتينالمتحدتين لا يستطيع أن يفسر اعتقاد الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الأرثوذكسيةالخلقيدونية ، في أن القديسة مريم هي والدة الاله.
لست أدري كيف يستطيعالكاثوليك والارثوذكس الخلقيدونيون ، أن ينقذوا أو يبرروا اعتقادهم في أن السيدةالعذراء هي والدة الاله ، إذا كانوا يصرون على القول بأن للسيد المسيح طبيعتينمتحدتين.
أما التعبير القائل بطبيعةواحدة للكلمة المتجسد ، فهو وحده الذي يمكن أن يفسر في أن العذراء والدة الاله ، منحيث أن الذي ولد من مريم هو الاله المتجسد . ولو كان في المسيح طبيعتان لكانتالعذراء والدة الانسان يسوع فقط ، ولا يصح تلقيبها بوالدة الاله ، لأنها ليست أصلاًللاهوت . فالقول بطبيعتين في المسيح يسلم إلى الاعتقاد النسطوري الذي يؤيدهالبروتستانت بكافة نحلهم ومذاهبهم ، وهو أن العذراء ليست والدة الاله ، وانما والدةالانسان يسوع . ) [ صفحة 20 _ 27 ] من الكتيب
( هذا هو الوضع اليوم ،الوضع الصحيح للمشكلة القائمة بين القائلين بالطبيعة الواحدة والقائلين بالطبيعتين، وهي مشكلة التعبير الصحيح الذي يجب أن يعبر به المسيحيون عن اعتقادهم في لاهوتالسيد المسيح وناسوته في نفس الوقت.
ولا شك أن الكنائسالكاثوليكية والكنائس الأرثوذكسية التي تقر بمجمع خلقيدونية ليست نسطورية علىالاطلاق . كما أن الكنائس الأرثوذكسية الشرقية القديمة التي لا تقر بمجمع خلقيدونيةليست بأوطاخية على الاطلاق.
عزيزي القارىء:
ان هذه العبارات التيأوردناها من هذا الكتيب تلقى بعض الضوء على الخلافات بين المذاهب المسيحية في هذاالخصوص ، ومنها نعرف أن هناك العديد من هذه المذاهب ، بل إن المذهب الواحد يتفرعبدوره الي نحل ومذاهب ، فقد قرأنا في الكتيب إشارة الي البروتستانت بكافة نحلهمومذاهبهم ، وحتى المذهب الأرثوذكسي وجدناه ليس واحداً ، فهناك كنائس أرثوذكسيةخلقيدونية ، وأخرى غير خلقيدونية ، ومن هذه الاخيرة ، الكنيسة المرقسية الاسكندريةوأحسب ان في هذا الكتيب الكفاية لبيان أن المسيحيين أنفسهم ، وبعد نحو عشرين قرن منرفع المسيح ، لم يستطيعوا أن يتفقوا على تصور واحد لهذه الألوهية المزعومة.
وآخر دعوانا أن الحمد للهرب العالمين