البطلان العقلي لعقيدة التثليث

User Rating:  / 1
PoorBest 

من العجيب أن المسيحيين معإيمانهم بهذه العقيدة – رغم بطلانها – يقرون بأنها فوق طاقة العقل البشري ، وفوقإدراكه ، وأنه من الصعب عليهم أن يحاولوا فهم هذا الأمر بعقولهم القاصرة ، وأن كلما يمكنهم إيضاحه حول كيفية وجود ذات الله في ثلاثة أقانيم وأن كلا منهم ممتاز عنالآخر في الاقنومية لا في الجوهر ، فهم جوهر واحد ، وطبيعة واحدة ، وإله واحد ،ولكل واحد منها صفات اللاهوت...

وقد حاول علماؤهموفلاسفتهم مراراً وتكراراً إيضاح ثالوث الوحدانية هذا فلم يفلحوا ، لأن ذلك فوقطاقة عقولهم ، وصرحوا بأنه سر من الأسرار الإلهية يستحيل فهمه وإدراكه ، ولا يجوزلهم أن يتفلسفوا في تفكيك هذا السر أو تحليله ، أو يلصقوا به أفكار من عندياتهم ،وكل من يحاول إدراك هذا السر الثالوثي فهو كمن يحاول أن يضع مياه المحيطات كلها فيكفة . يقول الدكتور دونالديماري:

" لو واجهنا الحقائقبأنصاف لتحتم علينا القول بأن عقيدة التثليث لا يمكن تفسيرها بل يجب قبولها كحقيقةلاهوتية" .

وقد يتكفل المستقبل بإيضاحسر الثالوث هذا وبيانه بواسطة النور الإلهي ، وذلك يوم الكشف عن البصائر لكل ما فيالسموات والأرض ، أمام الحضرة الإلهية . كما يزعمون.

وإنا لنعجب إذا كان هذا هوحال علمائهم ورجال الدين منهم فما هو يا ترى حال بسطائهم وعامتهم ، إذا ما حاولواأن يفهموا عقائدهم.

وكفى فساداً بعقيدة يؤدياعتقادها إلى المحال باعتراف أصحابها.

والواقع أن هناك فرقا بينما يحكم العقل باستحالته كالتثليث ، وبين مالا يستطيع العقل إدراكه ، وعقيدةالتثليث مما أثبت العقل تناقضها مع الحس والمنطق ، هذا التناقض الذي يبدوا فيمايأتي:

أولا : يبدوا تناقضهمواضحاً بين ما أثبتوه في أمانتهم ، وبين ما يعتقدونه ، حيث اتفقوا على أن الأبوالابن وروح القدس إله واحد ، أي أن الباري جوهر واحد ثلاثة أقانيم . بينما الأمانةالتي اتفقوا عليها أوضحوا فيها أن ذات الابن غير ذات الأب وهما معا غير الروح القدس. وبذلك خالفوا ما يعتقدونه من أنهم إله واحد في ثلاثة أقانيم ، وتناقضوا ، حيثجعلوا جوهر البدن شيئا معبودا وليس من الثلاثة ، فأثبتوا بذلك تربيعا لا تثليثا. وفي ذلك يقول أبو عبيدة الخزرجي مخاطبا النصارى:

" قد اتفقتم على أن أقانيم: الأب والابن والروح القدس غير مختلفة ، بل هي واحد ، فإذا كان هذا فالأب هو الابنوهما مع الروح القدس شئ واحد . وقلتم : وهذا توحيد . فلم خصصتم المسيح بالابن ولمتقولوا هو الأب ، وقد قلتم : أن الأب والابن والروح القدس شئ واحد ؟ ثم جعلتم جوهرالبدن شيئا معبودا وليس من الثلاثة ، فهؤلاء إذن أربعة ، وقد بطل التثليث وصارتربيعا ، فإن أبيتم إلا ثلاثة فقد جعلتم نفي العدد وإثباته سواء ، وكابرتم العقول" .

وبنفس الرأي يورد ابنكمونة – على لسان مخالفي النصارى – بطلانا عقليا على التثليث فيقول : لمخالفيالنصارى أن يقولوا : إن هذه الأقانيم التي ذكرتموها : إن كان مرادكم بها ذوات ثلاثةقائمة بأنفسها فبرهان الوحدانية يبطله ، وهو أيضا على خلاف معتقدكم في التوحيد ،وإن كان مقصودكم أنها صفات ، أو أحدهما ذات والباقيتان صفتان ، فهلا جعلتم صفةالقدرة أقنوما رابعا ؟

وكذا سائر ما يوصف به سائرالله تعالى اقانيم ؟ فإن قالوا : قدرته هي علمه ، قلنا : وحياته أيضا هي علمه ، فلمأفردتموها أقنوما ؟

ولو كان المراد بقولكم: إن الباري سبحانه جوهر واحد ثلاثة أقانيم : أنه ذات عالمة حية ، أو ذات عاقلةلنفسها ، وذات معقولة لها ، فما قلتموه في أمانتكم التي اتفقتم عليها ينافي ذلك ،فإن فيها تحقيقا أن الابن ذات غير ذات الأب ، وأن ذات الابن هي التي نزلت وصعدت دونالأب ، فجميع مذاهبكم باطلة.

ثانيا : يتناقض النصارى فيعقيدة التثليث ، إذ يقصرون الصفات الإلهية على اثنين ( الحياة والنطق ) ، وأنالباري تعالى ذات حية ناطقة ، وأن الحياة والنطق وإن كانا غيره في الشخصية فهما هوفي الجوهرية . فنقول لهم:

" إذا كان الحيي له حياةونطق ، فأخبرونا عنه ، أتقولون : أنه قادر عزيز ، أم عاجز ذليل ؟ فإن قلتم : لا ،بل هو قادر علزيز ، قلنا : فأثبتوا له قدرة وعزة ، كما أثبتم له حياة وحكمة.

فإن قلتم : لا يلزمنا ذلك: لأنه قادر بنفسه ، عزيز بنفسه . قلنا لكم : وكذلك فقولوا : إنه حي بنفسه ، وناطقبنفسه ، ولابد لكم مع ذلك من إبطال التثليث ، أو إثبات التخميس ، وإلا فما الفـرق ،وهيهـات من فرق.

ثالثا : يدعي النصارى أنالعدد ثلاثة هو أكمل الأعداد ، لجمعه بين الزوج والفرد ، لذا صاروا إلى القولبالتثليث دون غيره من الأعداد . وهو من سفه القول الذي اعتادوا وذلك لأن:

أ – الله لا يوصف بكمالولا تمام من باب الإضافة : لأن ذلك لا يقع على ما فيه نقص.

ب- ولأن قولهم أن الثلاثةهي أكمل الأعداد مناقض لقولهم : إن الثلاثة واحد ، والواحد ثلاثة ، لأن الثلاثةالتي تجمع الزوج والفرد ليست الفرد الذي هو فيها ، ( وهي جامعة له ولغيره ، بل ولاهي بعض ، فالكل ليس هو الجزء ، والجزء ليس هو الكل ، والفرد جزء للثلاثة ، والثلاثةكل للفرد وللزوج معا . فالفرد غير الثلاثة ، والثلاثة غير الفرد ، والعدد مركب منواحد يراد به الفرد وواحد كذلك وواحد كذلك إلى نهاية العدد المنطوق به . فالعدد ليسالواحد ، والواحد ليس هو العدد ، لكن العدد مركب من الآحاد التي هي الأفراد ، وهكذاكل مركب من أجزاء ، فذلك المركب ليس هو جزءا من أجزائه كالكلام الذي هو مركب من حرفوحرف حتى يقوم المعنى المعبر عنه ، فالكلام ليس هو الحرف ، والحرف ليس هو الكلام.

ج – ولأن كل عدد بعدالثلاثة فهو أتم من الثلاثة ، لأنه يجمع إما زوجا وزوجا ، وإما زوجا وزوجا وفردا ،وإما أكثر من ذلك.

وبالضرورة يعلم أن ما جمعأكثر من زوج فهو أتم وأكمل مما لم يجمع إلا زوجا وفردا فقط.

فيلزمهم أن يقولوا : أنربهم أعداد لا تتناهي ، أوأنه أكثر الأعداد ، وهذا أيضا ممتنع ومحال لو قالوه.

ثم إن الزوج والفرد نجدهفي الاثنين ، لأن الاثنين عدد يجمع فردا وفردا ، وهو زوج مع ذلك ، فيلزمه أن يجعلربه اثنين.

د – ولأن كل عدد فهو محدث، وكذلك كل معدود يقع عليه عدد فهو أيضا محدث والمعدود لم يوجد قط إلا في ذي عدد ،والعدد لم يوجد قط إلا في معدود ، والواحد ليس عددا.

رابعا : يتناقض النصارى فيجمعهم بين التوحيد والتثليث ، وحملهم إياهما على المعنى الحقيقي . وذلك سفسطة محضة، لأنه إذا وجد التثليث الحقيقي وجدت الكثيرة الحقيقة ، ومع وجودهما يختفي التوحيدالحقيقي ، والإلزام اجتماع النقيضين ، واجتماع النقيضين محال.

فقائل التثليث لا يكونموحدا لله تعالى توحيدا حقيقيا ، وذلك لأن التثليث الحقيقي ممتنع في ذات الله تعالى.

وكيف وأن الواحد الحقيقيليس له ثلث صحيح ، والثلاثة لها ثلث صحيح ، وهو الواحد ، وأن الثلاثة مجموع آحادثلاثة ، والواحد الحقيقي ليس مجموع أحاد رأسا ، وأن الواحد الحقيقي جزء الثلاثة ،فلو اجتمعا في محل يلزم كون الجزء كلا ، والكل جزءا ، وأن هذا الاجتماع يستلزم كونالله مركبا من أجزاء الجزء كلا ، والكل جزءا ، وأن هذا الاجتماع يستلزم كون اللهمركبا من أجزاء غير متناهية بالفعل لاتحاد حقيقة الكل والجزء على التقدير ، والكلمركب ، فكل جزء من أجزائه أيضا مركب من الأجزاء التي تكون عين هذا الجزء .. وهلمجرا.

وكون الشيء مركبا من أجزاءغير متناهية بالفعل باطل قطعا ، وأن هذا الاجتماع يستلزم كون الواحد ثلث نفسه ،وكون الثلاثة ثلاثة أمثال نفسها ، والواحد ثلاثة أمثال الثالثة ، وهو محال.

ثم إنه لو وجد في ذات اللهثلاثة أقانيم ممتازة بامتياز حقيقي " – كما قالوا – فمع قطع النظر عن تعدد الموجباتيلزم أن لا يكون لله حقيقة محصلة ، بل يكون مركبا اعتباريا ، فإن التركيب الحقيقيلابد فيه من الافتقار بين الأجزاء ، فإن الحجر الموضوع بجنب الإنسان لا يحصل منهماأحدية ، ولا افتقار بين الواجبات ، لأنه من خواص الممكنات ، فالواجب لا يفتقر إلىالغير ، وكل جزء منفصل عن الآخر وغيره وإن كان داخل في المجموع ، فإذا لم تفتقر بعضالأجزاء إلى بعض آخر لم تتألف منها الذات الأحدية ، على أن يكون الله في الصورةالمذكورة مركبا ، وكل مركب يفتقر في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه ، والجزء غيرالكل بالبداهة ، فكل مركب مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، فيلزمأن يكون الله مكنا لذاته ، وهذا باطل.

وعلى ذلك إذا أثبتالامتياز الحقيقي بين الأقانيم ، فالأمر الذي حصل به هذا الامتياز إما أن يكون منصفات الكمال أو لا يكون ، فعلى الشق الأول لم يكن جميع صفات الكمال مشتركا فيهبينهم ، وهو خلاف ما تقرر عندهم أن كل أقنوم من هذه الأقانيم متصف بجميع صفاتالكمال وعلى الشق الثاني ، فالموصوف به يكون موصوفا بصفة ليست من صفات الكمال ،وهذا نقصان يجب تنزيه الله عنه.

ولو كانت الأقانيم الثلاثةممتازة بامتياز حقيقي وجب أن يكون المميز غير الوجوب الذاتي ، لأنه مشترك بينهم ،وما به الاشتراك غير ما به الامتياز فيكون كل واحد منهم مركبا من جزأين ، وكل مركبممكن لذاته ، فيلزم أن يكون كل واحد منهم ممكنا لذاته  .

وإذا علمت بالبراهينالعقلية القطعية أن التثليث الحقيقي ممتنع في ذات الله ، فلو وجد قول من الأقوالالمسيحية دالا بحسب الظاهر على التثليث يجب تأويله، لأنه لا يخلو إما أن نعمل بكلواحد من دلالة البراهين ودلالة النقول . إما أن نتركهما ، وإما أن نرجح النقل علىالعقل ، وإما أن نرجح العقل على النقل . والأول باطل قطعا ، وألا يلزم ارتفاعالنقيضين . والثالث أيضا لا يجوز ، لأن العقل أصل النقل ، فإن ثبوت النقل موقوف علىوجود الصانع وعلمه وقدرته وكونه مرسلا للرسل .. فالقدح في العقل قدح في العقلوالنقل معا ، فلم يبق إلا أن نقطع بصحة العقل ، ونشتغل بتأويل النقل ، والتأويل عندأهل الكتاب ليس بنادر ولا قليل.

وهكذا يتضح لنا بطلانعقيدة التثليث عقلا بما تستلزمه من هذه المحالات والنقائض ، كما اتضح بطلانها نقلابفساد الأدلة التي استند إليها أصحابها فيها . وكان على أصحاب هذه العقيدة ألايلغوا عقولهم أمام دعوى الإيمان والتسليم . فالعقيدة التي لا تكون عن اقتناع وفهملا تكون لها قيمتها الدينية ، ولا يكون لها تأثيرها في حياة صاحبها.

والدين الصحيح يوجه خطابهإلى الكيان الإنساني كله بعقله ووجدانه ، فليس هو مجرد مشاعر ذاتية ينفعل بها وجدانالمرء ، ولكنه أيضا حقائق معقولة يدركها فكره.

وهكذا فإننا نجد الخطاب القرآني في أمر العقيدة يتوجه إلى عقول المؤمنين وقلوبهم . يتوجه إلى عقولهم بالإقناع والدليل ، حيث يطالب المخالفين له بالبرهان على صحة عقائدهم (( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)) ، ويندد بتقليدهم لآبائهم في تلك العقائد (( أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون )) ، ويهيب بهم قائلا : ((قل إنما أعظمكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا .. )) ، ويتوج عرضه للعقائد التي يدعو الناس إلى الإيمان بها بقول الله لهم : ((إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون)) . (( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)) ، ولا يسمح أن يكون الإيمان بعقائدهم وليد تسلط فكري (( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )) .

ومع ذلك كله ، فإن خطابالوجدان البشري له مكانه في القرآن الكريم ليحرك المشاعر حتى تنفعل بهذه العقائدالتي يقنع بها العقول والقلوب معا.

أما أن يأتي رجال الدين فيالنصرانية المحرفة ليبتدعوا عقيدة التثليث بكل ما تتضمنه من محالات ، ونقائض عقلية، ويطالبوا الناس – مع تسليمهم باستحالة فهمها – بالإيمان بها دون محاولة لتعقلها ،فذلك مسلك لا يتفق مع الدين ولا مع المنطق السليم.

.........................................................

معلومات إضافية