إبطال ابن تيمية لدعوى النصارى للتوحيد مع قولهم بالتثليث
- التفاصيل
- المجموعة: الثـالـــوث
- نشر بتاريخ الثلاثاء, 22 تشرين1/أكتوير 2013 14:51
- الزيارات: 1807
بالرغم من أن النصارى يقولون بالتثليث ، إلا أنهم يدعون التوحيدوأن هذا الثالوث يؤلف إلهاً واحدا . وينقدهم ابن تيمية من خلال نص عقيدة إيمانهم ،ويثبت أنهم مثلثون لا موحدون ، وأنهم يثبتون ثلاثة آلهة منفصلة تنطبق على كل واحدمنها صفة الألوهية . ويثبت أن دعواهم لتوحيد دعوى باطلة ، وأنهم متناقضون في ذلكتناقضا بينا.
فالنصارى يقولون : إن الثلاثة الأب والابن وروح القدس أسماء ، وهيإله واحد ، ورب واحد ، وخالق واحد ، ومسمى واحد ، لم يزل ولا يزال حياً ناطقاً . أيالذات والنطق والحياة.
فالذات عندهم : الأب ، الذي هو ابتداء الاثنين ، والنطق : الابنالذي هو مولود منه كولادة النطق من العقل ، والحياة : هـي الروح القدس.
وقد ناقشهم ابن تيمية في دعواهم هذه ، ورد عليهم . فقال:
إن أسماء الله تعالى متعددة كثيرة ، فإنه ( هو الله الذي لا إلهإلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملكالقدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ، سبحان الله عما يشركون . هوالله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى ، يسبح له ما في السموات والأرض وهوالعزيز الحكيم ) .. إلى آخر الآيات الكثيرة في هذا الشأن.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
( إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) .
وإذا كانت أسماء الله كثيرة ومتعددة ، فالاقتصار على ثلاثة أسماءدون غيرها باطل . وأي شئ زعم الزاعم في اختصاص هذه الأسماء دون غيرها فهو باطل.
أما قولهم : الأب الذي هو ابتداء الاثنين ، والابن : النطق ، الذيهو مولود منه كولادة النطق من العقل فكلام باطل . بل هو من أعظم الكفر وأشدهاستحالة ، فإن صفات الكمال لازمة لذات الرب عز وجل أولا وآخراً . لم يزل ولا يزالحياً عالماً قادرا ، لم يصر حيا بعد أن لم يكن حياً ولا عالما بعد أن لم يكن عالما..
أما تسمية حياة الله ( بالروح القدس ) ، فهو أمر لم ينطق به شئ منكتب الله المنزلة ، فإطلاق روح القدس على حياة الله إنما هو من تبديلهم وتحريفهم...
ثم يقول : إن أمانتكم التي وضعها أكابركم بحضرة ( قسطنطين) ، وهيعقيدة إيمانكم التي جعلتموها أصل دينكم ، تناقض ما تدعونه من أنكم تؤمنون بإله واحد، وتبين أنكم تقولون لمن يناظركم خلاف ما تعتقدونه . وهذان أمران معروفان في دينكم:
1. تناقضكم في ادعائكم أن الثلاثة واحد.
2. وإظهاركم في المناظر خلاف ما تقولونه من أصل إيمانكم.
فإن الأمانة التي اتفق عليها جماهير النصارى ، يقولون فيها:
( نؤمن بإله واحد ، أب ضابط للكل ، خالق السموات والأرض ، كل مايرى وما لا يرى ، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد ، المولود من الأب قبل كلالدهور . نور من نور ، إله حق من إله حق ، من جوهر أبيه ، مولود غير مخلوق مساوللأب والابن في الجوهر وبروح القدس ، الرب المحيي ، المنبثق من الأب ، الذي هو منالأب والابن مسجود له ، وسجد ناطق في الأنبياء... )
فهذا تصريح بالثلاثة أرباب ، وأن الابن إله حق من إله حق ، ومعتصريحكم بثلاثة أرباب ، وتصريحكم بأن هذا إله حق من إله حق ، تقولون : إن ذلك إلهواحد ، وهذا تصريح بتعدد الآلهة ، مع القول بإله واحد . ولو لم تذكروا ما يقتضي أنهجوهر آخر ، لأمكن أن يحمل كلامكم على عطف الصفة ، لكن كان يكون كلامكم أعظم كفرا. فتكونون قد جعلتم المسيح هو نفس الإله الواحد الأب خالق ما يرى وما لا يرى ، وهذامن أعظم كفركم مع أن هذا حقيقة قولكم ، فإنكم تقولون : المسيح هو الله ، وتقولون: هو ابن الله .. وهذا أيضا من تناقضكم ، فإنه إن كان هو الله لم يكن هو ابن اللهسواء عبر بالابن عن الصفة أو غيرها ، فإن الأب هو الذات ليست هي الصفة.
والمقصود أنهم لم يريدوا بقولهم : وبرب واحد يسوع المسيح عطفالصفة ، وأن هذا هو الأب .. والعطف لتغاير الصفة ، فلو كان المراد بالابن نفس الأبلكان هذا خلاف مذهبهم ، ويكونون قد جعلوه إلهاً من نفسه ، فقالوا : برب واحد يسوعالمسيح ابن الله الوحيد ، المولود من الأب قبل كل الدهور ، نور من نور ، إله حق منإله حق ، ومن جوهر أبيه ، مولود غير مخلوق ، فصرحوا بأنه رب ، وأنه إله حق ، من إلهحق ، وصرحوا بإله ثاني مع الإله الأول . وقالوا مع ذلك إنه مولود من الأب قبل كلالدهور ، وأنه مولود غير مخلوق ، فامتنع أن يريدوا بذلك الناسوت ، فإن الناسوتمخلوق.
ثم قالوا : مساو الأب في الجوهر ، فاقتضى هذا أن لا يكون المولودالذي هو الكلمة جوهرا ، وإنه مساو الأب في الجوهر . والمساوي ليس هو المساوي . وهذايقتضي إثبات جوهر ثاني مساو الجوهر الأول ، وهو صريح بإثبات الهين ، وتقولون مع ذلك: إنه إله واحد ، جوهر واحد..
ثم قلتم في أقنوم روح القدس الذي جعلتموه الرب المحيي أنه منبثقمن الأب مسجود له ممجد ، ناطق في الأنبياء ، فإن كان المنبثق ربا حيا ، فهذا إثباتإله ثالث ، وقد جعلتم الذات الحية منبثقة من الذات المجردة ، وفي كل منهما من الكفروالتناقض مالا يخفي . ثم جعلتم هذا الثالث مسجودا له ، والمسجود له هو الإلهالمعبود ، وهذا تصريح بالسجود لإله ثالث مع ما فيه من التناقض . ثم جعلتموه ناطقافي الأنبياء ، وهذا تصريح بحلول هذا الأقنوم الثالث بجميع الأنبياء ، فيلزمكم أنتجعلوا كل نبي مركبا من لاهوت وناسوت ، وأنه إله تام ، وإنسان تام ، كما قلتم فيالمسيح ، إذ لا فرق بين حلول الكلمة ، وحلول روح القدس ، فكلاهما أقنوم ، وأيضافيمتنع حلول إحدى الصفتين دون الأخرى ، وحلول الصفة دون الذات ، فيلزم الإله الحيالناطق بأقانيمه الثلاثة حالاً في كل نبي ، ويكون كل نبي هو رب العالمين ، ويقال معذلك هو ابنه ، وفي هذا من الكفر الكبير والتناقض العظيم ما لا يخفى ، وهذا لازمللنصارى لزوما لا محيد عنه.
ويتتبع ابن تيمية تبرير النصارى للتثليث حيث يذكر أنهم قالوا:
أنه لا يلزمنا إذا قلنا : " أب وابن وروح قدس " عبادة ثلاثة آلهة، بل إله واحد ، كما لا يلزمن إذا قلنا : الإنسان ونطقه وروحه ثلاثة أناس ، بلإنسان واحد ، ولا إذا قلنا : لهيب النار وضوء النار وحرارة النار ثلاثة نيران ، ولاإذا قلنا : قرص الشمس ، وضوء الشمس ، وشعاع الشمس ، ثلاثة شموس " . أي لا يلزمهمالتثليث في كل ما مر ، بل الإنسان هو الإنسان بنطقه وروحه ، والنار هي النار بضوئهاوحرارتها ، وقرص الشمس هو قرص الشمس بضوئه وشعاعه . لكن شيخ الإسلام رد عليهم بقوله:
إنكم صرحتم بتعدد الآلهة الأرباب في عقيدة إيمانكم وفي استدلالكم. وغير ذلك من كلامكم ، فليس ذلك شيئا ألزمكم الناس به ، بل أنتم تصرحون بذلك كماتقدم من قولكم : نؤمن بالله واحد ضابط الكل خالق ما يرى وما لا يرى ، وبرب واحديسوع المسيح ابن الله الوحيد ، المولود من الأب قبل كل الدهور نور من نور ، إله حقمن إله حق ، من جوهر أبيه ، مولود غير مخلوق ، مساو الأب في الجوهر وبروح القدسالرب المحيي ، المنبثق من الأب ، الذي معه الأب مسجود له وممجد.
أما تمثيلكم الثالوث بالإنسان ، ونطقه ، وروحه ، فهو تمثيل باطل ،فإن أردتم بالروح حياته ، فليس هذا هو مفهوم الروح ، وأن أردتم الروح التي تفارقبدنه بالموت ، وتسمى النفس الناطقة ، فهذه جوهر قائم بنفسه ، ليست عرضاً من أعراضه، وحينئذ فيلزم أن تكون روح الله جوهرا قائما بنفسه ، مع جوهر آخر نظير بدن الإنسانويكون الرب– سبحانه وتعالى– مركبا من بدن وروح كالإنسان وليس هذا قول أهل الملل ، ولا المسلمين ولا اليهود ،ولا النصارى ، فتبين أن تمثيلكم هذا باطل.
ثم إن حر النار وضوءها القائم بها ، ليس ناراً من نار ، ولا جوهرمن جوهر ، ولا هو مساو النار والشمس في الجوهر ، وكذلك نطق الإنسان ليس هو إنسانامن إنسان ، ولا هو مساو الإنسان في الجوهر ، وكذلك الشمس وضوئها القائم بها ،وشعاعها القائم بها ليس شمسا ، ولا جوهرا قائما بنفسه . وأنتم قلتم : إله حق من إلهحق وقلتم في روح القدس : إنه رب ممجد ، مسجود له . فأثبتم ثلاثة أرباب.
وهكذا يبين ابن تيمية أن النصارى قد ضلوا في عقيدتهم بالتثليثضلالا بعد ضلال ، ضلوا أولاً ، حيث جعلوا مراد المسيح وغيره بالابن وروح القدس صفةالرب . ثم ضلوا ثانياً ، حيث جعلوا الصفة خالقا وربا . ثم ضلوا ثالثاً ، حيث جعلواالصفة تتحد ببشر . وهو عيسى ، ويسمى المسيح ، ويكون هو الخالق رب العالمين . فضلوافي التثليث ضلالا مثلثا ، حيث أثبتوا ثلاث صفات دون غيرها ، وجعلوها جواهر وأربابا، ثم قالوا : هي إله واحد.
وهكذا يبطل ابن تيمية استدلالات النصارى على عقيدتهم بالتثليثداحضا ما فيها من الأباطيل ، وسوء الفهم ، ومبينا أنه لا حجة لهم في كل ما احتجوابه ، بل عامة ما يحتجون به من نصوص الأنبياء ، ومن المعقول هو نفسه حجة عليهم ،ويظهر منه فساد قولهم . كما نقلنا عنه آنفا